الشيخ محمد إسحاق الفياض
274
المباحث الأصولية
كانت بين نفس المدركين في الواقع كالنار والاحراق ، كان وجود الملزوم فيه يستتبع وجود اللازم . والخلاصة : أن الوضع هو الاقتران بين اللفظ والمعنى خارجا ، وهو المنشأ للملازمة بين الادراكين والتصورين في الذهن ، فإذا كانت صورة الاقتران المؤكد موجودة في أفق الذهن ، كانت تلك الصورة هي السبب للانسباق والتبادر ، وإن لم يعلم بأن هذا الاقتران وضع . أو فقل إن ثبوت هذا الاقتران والارتباط في الذهن بنفسه منشأ للانتقال من تصور اللفظ إلى تصور المعنى ، ولا يتوقف على العلم التصديقي بأن هذا الاقتران وضع . وبذلك تفترق هذه النظرية عن نظرية الاعتبار ، فإن حقيقة الوضع إذا كانت أمرا اعتباريا جعليا قائما بالجاعل والواضع ، فمن البيّن أنه طالما لا يعلم الشخص بهذا الاعتبار والجعل ، فلا يعقل الانسباق والتبادر عنده ، وكذلك الحال على القول بأن الوضع هو التعهد ، فإنه ما دام لا يعلم به ، فلا انسباق ولا تبادر « 1 » . ولنا تعليق على ذلك : أما أولا : فلأن علامية التبادر على القول بأن حقيقة الوضع القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى وإن كانت ممكنة ولا تستلزم الدور ، إلّا أنها لا تخرج عن حدود الامكان فقط ، إذ افتراض الانسباق والتبادر من الاقتران الموجود في الذهن بدون أن يعلم خارجا بأنه وضع ، مجرد وهم ، لا واقع له إلّا في الصبي أو المجنون ، وأما في غيره كالسامع الشاعر الملتفت ، فافتراض ذلك بدون التفاته التصديقي بأنه وضع ، لا يخرج عن دائرة الخيال إلى دائرة التحقق ، هذا إضافة إلى أنه لا يفيد
--> ( 1 ) بحوث في علم الأصول 1 : 165 .