الشيخ محمد إسحاق الفياض
252
المباحث الأصولية
ثلاثي ، وأريد به شخص لفظه الموجد ، فلا يعقل أن يكون ذلك من باب الاستعمال ، بل من قبيل الاطلاق الايجادي ، يعني إيجاد الشيء واحضاره بنفسه في ذهن المخاطب لا بالواسطة . فلنا دعويان : الأولى : أن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه ليس من قبيل الاستعمال . الثانية : أنه من قبيل الاطلاق الايجادي . أما الدعوى الأولى : فلأن حقيقة الاستعمال حقيقة حكائية تتطلب الأثنينية والمغايرة بين اللفظ المستعمل والمعنى المستعمل فيه ، لكي يكون الأول دالا على الثاني وحاكيا عنه ، ولهذا يستحيل انتقال الذهن إلى المعنى مباشرة ، بل لا بد من أن يكون بوسيلة صورة أخرى ، وهي صورة اللفظ في الذهن ، على أساس أن صورته تنبه الذهن إلى الانتقال إلى معناه ، ومن الواضح أنه لا يمكن تصور ذلك في شيء واحد بالنسبة إلى نفسه ، لاستحالة أن يكون الشيء وسيلة حكائية عن نفسه ، بأن ينتقل الذهن من صورته إلى صورة نفسه ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون حقيقة الاستعمال فناء اللفظ في المعنى ، أو جعل اللفظ علامة عليه ، أو تنزيل وجوده وجودا تنزيليا للمعنى ، أو إخطار ما هو غير المقصود افهامه للانتقال إلى ما هو المقصود افهامه ، فإنه بجميع تفسيراته يقتضي التغاير بين الدال والمدلول ، والحاكي والمحكي ، والمستعمل والمستعمل فيه ، فلذلك لا يمكن أن يكون اطلاق اللفظ وإرادة شخصه من قبيل الاستعمال ، والا لزم اتحاد الدال والمدلول ، بل هو من قبيل ايجاد الشيء واحضاره بشخصه في الذهن بدون أي وسيلة وأداة في البين ، ومن هنا يمتاز اللفظ عن المعنى ، فإن ايجاد اللفظ واحضاره بنفسه في الذهن ممكن ، بدون أن يحتاج إلى واسطة ، وأما إيجاد المعنى واحضاره