الشيخ محمد إسحاق الفياض
238
المباحث الأصولية
مثال ذلك : إذا قال شخص « رأيت أسدا يرمي » ، فإن كلمة « يرمي » لا تدل على المعنى المجازي بنفسها ، وهو الرجل الشجاع ، لأنها تدل على أن المراد من الأسد إنسان في يديه قوس يرمي به ، وأما أنه شجاع أو لا ، فهي لا تدل عليه ، والدال عليه هو كلمة « أسد » ، على أساس أن العلاقة بين الرجل الشجاع والحيوان المفترس ، تعطي لكلمة « أسد » الصلاحية للدلالة عليه ، وحينئذ فالمقتضي لها تام ، ولكن المانع عنه موجود ، وهو تأثير العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى الحقيقي ، فإذا ارتفع المانع ، كان المقتضي مؤثرا ، وارتفاع المانع إنما هو بقيام القرينة الصارفة ، وفي المثال لفظ الأسد يصلح للدلالة على الرجل الشجاع ، والمانع عنها هو انتقال الذهن منه إلى الحيوان المفترس ، وكلمة « يرمي » فيه رافعة لهذا المانع ، لأنها تصرف الذهن عن المعنى الحقيقي ، فإذا ارتفع المنع عنه كانت دلالة لفظ « الأسد » في المثال على الرجل الشجاع فعلية ، باعتبار أن المقتضي إذا كان موجودا والمانع مفقودا ، كان تأثيره في المقتضي فعليا . وإن شئت قلت : إن القرينة الصارفة شأنها صرف الذهن عن المعنى الحقيقي فحسب ، وأما انتقال الذهن إلى المعنى المجازي فهو مستند إلى صلاحية اللفظ للدلالة عليه بعد رفع المانع عنه ، لا إلى القرينة . ثم إن هنا تفسيرين آخرين لصلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازي : الأول : ما ذهب إليه المحقق الخراساني قدّس سرّه من أن منشأها قبول الطبع وعدم استنكاره ، فصحة استعمال كل لفظ في معنى غير المعنى الموضوع له منوطة بكونه مما يقبله الطبع ولا يستنكره ، وهذا هو الميزان العام في تفسير المجاز « 1 » .
--> ( 1 ) كفاية الأصول : 13 .