الشيخ محمد إسحاق الفياض
170
المباحث الأصولية
التكويني بين اللفظ والمعنى في الذهن ، وحينئذ فإن كان منشؤه الاعتبار فقد مر أنه لا يتوقف على الاستعمال ، وإن كان منشؤه التخصيص والتعيين الخارجي فلا مانع من تحققه بالاستعمال ، لأن حقيقة الاستعمال هي تخصيص اللفظ بالمعنى ، وتعيينه له للدلالة عليه . أو فقل : إن الاستعمال هو اقتران اللفظ بالمعنى بغرض الدلالة عليه ، ولا مانع من حصول الوضع بمعنى الاختصاص والارتباط بين صورة اللفظ وصورة المعنى في الذهن بالاستعمال ، بل باستعمال واحد إذا كانت هناك ملابسات أخرى ، على أساس ما مر من أن منشأ الوضع بهذا المعنى قد يكون عاملا كميا ، وقد يكون عاملا كيفيا . ولا فرق في ذلك بين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي ، وإنما الفرق بينهما في نقطة أخرى ، وهي أن دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي مستندة إلى الوضع ، وعلى المعنى المجازي مستندة إلى المناسبة مع القرينة ، ولكن صفة الدلالة في كلا الموردين للفظ ، إذ كما أن الوضع يؤهل اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه كذلك القرينة ، فإنها تؤهل اللفظ للدلالة على المعنى المجازي بنفسه ، فالقرينة كالوضع جهة تعليلية لا تقييدية . ونتيجة ذلك أن سبب الدلالة أمران : أحدهما الوضع ، والآخر القرينة . وإن أريد به تخصيص اللفظ بالمعنى واقترانه به خارجا بغرض حصول العلاقة والارتباط بينهما في الذهن ، وأن هذا التخصيص هو الوضع ، والارتباط أثره ، فالاستعمال مصداق له إذا كان محققا للغرض المذكور . ولكن قد يقال : إن لازم ذلك هو أن كل استعمال مجازي وضع ، باعتبار أن الوضع على ضوء هذه النظرية عبارة عن تخصيص اللفظ بإزاء المعنى للدلالة عليه بنفسه ، والاستعمال المجازي محقق له ومصداق له .