عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
92
معارج التفكر ودقائق التدبر
المثال الثاني : قول اللّه عزّ وجلّ فيها : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 ) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 25 ) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ( 26 ) : في هذا النّصّ تشبيهان هما من تشبيه ( التّمثيل ) إذ وجه الشّبه منتزع من متعدّد . فالتّشبيه الأوّل : هو تشبيه كلمة طيّبة بشجرة طيّبة أصلها ثابت متغلغل الجذور في الأرض . فالكلمة الطّيّبة الّتي تدلّ على حقّ مؤيّد بالبرهان ، أو تهدي إلى خير أو فضيلة ، أو عمل صالح يرضي اللّه عزّ وجلّ ، مثل كلمة : لا إله إلّا اللّه ؛ هي ذات أصل ثابت ، إذ لها جذور كجذور الشّجرة الطّيّبة ، وهذه الجذور متغلغلة في حقائق العلم الرّبّاني ، ولها فرع صاعد في سلوك المؤمن بها . فهي كشجرة طيّبة ، إذ لها أصل ثابت في الأرض ذو جذور متغلغلة في الأعماق ، تمتصّ الغذاء للشّجرة من الماء والتراب ، فيصعد بخلق اللّه حتّى يصل إلى كلّ ذرّة من ذرّات الشّجرة ، فهي تؤتي ما يؤكل منها من ثمرات ، كلّ حين من فصول إنتاجها بإذن ربّها . والنّخلة هي أولى الشّجرات بالمثل في بلاد العرب إبّان التّنزيل . والتّشبيه الثّاني : هو تشبيه كلمة خبيثة بشجرة متخيّلة خبيثة ، قطعت قطعا كاملا من فوق الأرض ، فما لها مكان تستقرّ فيه ، وليس لها ما يغذّيها لنماء أو ثمر ، وليس فيها نفع لذي حياة ، بل هي ضارّة سامّة خبيثة .