عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
51
معارج التفكر ودقائق التدبر
مغنون عنّا : أي : صارفون عنّا ، أصل معنى « أغناه » : كفاه . وحين تكون عند الحاجة إلى دفع مكروه يضمّن الفعل معنى الكفّ والصّرف فيعدّى تعديته بحرف « عن » ، فيقال : « أغن عنّا شرّك » أي : كفّه واصرفه عنّا . قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ( 21 ) : أي : قال الّذين كانوا مستكبرين متبوعين في الدّنيا : لو حكم اللّه اليوم لنا بالهداية لكنّا باتّباعكم لنا في الدّنيا هديناكم ، ولكن حكم اللّه علينا وعليكم بالضّلال ، ولم يكن لكم عذر باتّباعنا ، بل كنتم تتّبعون أهواءكم وشهواتكم الّتي وجدتموها عندنا وفي مسالك غوايتنا . فسواء علينا اليوم أجزعنا وأظهرنا سخطنا على أنفسنا بالصّياح والعويل والبكاء ، أم صبرنا وصمتنا ، ما لنا من مكان نحيد ونعدل ونهرب إليه . يقال لغة : « حاص عن الشيء ، يحيص ، حيصا ، ومحيصا ، وحيصانا » أي : حاد عنه وعدل . للّذين استكبروا : أي للّذين كانوا غلاة مبالغين في تكبّرهم ، بما آتاهم اللّه من مال وصفات يتكبّرون بها على جماهير قومهم . ولمّا كان الشّيطان قائد غواية وتضليل في حياة الامتحان في الدّنيا ، فمن شأن الّذين كان الشّيطان في الدّنيا قد أضلّهم وأغواهم ، أن يوجّهوا له يوم القيامة أنّه كان السّبب في إغوائهم وإضلالهم ، فليحمل عنهم نصيبا من العذاب الّذي قضي به عليهم . فيدافع الشّيطان عن نفسه بما جاء في الآية التّالية : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي