عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
49
معارج التفكر ودقائق التدبر
ولمّا كان خلق اللّه لكلّ ما خلق مسبوقا بمشيئته الحكيمة ؛ كان على ذي العقل أن يدرك أنّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - إن يشأ أن يذهب قوما أو النّاس جميعا ؛ يذهبهم من وجودهم في الحياة ، وإن يشأ أن يأتي بمخلوقات جديدة غير الّذين أذهبهم من حيواتهم ، إلى الفناء ، أو إلى العدم الكلّي ؛ فعل فجاء بخلق جديد . هذا ما نفهمه من قول اللّه تعالى في الآية : . . . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 19 ) : أي : إن يشأ أن يذهبكم يا أيّها القوم ، أو يا أيّها النّاس ، من وجودكم ذي الحياة ؛ أذهبكم ، وجاء بخلق آخر جديد ، مماثل لخلقكم ، أخذا من دلالة لفظ « جديد » . الخلق : المخلوق ، ويطلق هذا اللفظ على النّاس . وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ( 20 ) : أي : وما ذلك الأمر ، وهو إذهابكم والإتيان بخلق جديد ؛ على اللّه بصعب ولا شاقّ ، بل هو هيّن عليه . يقال لغة : « عزّ الأمر على فلان » أي : اشتدّ ، وشقّ ، وصعب . وجاء في العبارة توكيد النّفي بحرف الجرّ الزّائد « الباء » في : « بعزيز » . قول اللّه تعالى بانتقال سريع إلى عرض مشهد من مشاهد يوم القيامة الّذي يكون فيه خلق جديد للنّاس للحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء : وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ( 21 ) :