عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
45
معارج التفكر ودقائق التدبر
يتجرّعه : أي : يتكلّف ابتلاعه وهو كاره طعمه ورائحته . يسيغه : أي : يبتلعه ويجعله ينحدر إلى معدته . فالمعنى : يتجرّع الماء الّذي يشبه الصّديد بتكلّف وهو كاره له ، ولا يقترب من إساغته ، بل يبتلعه كما لو أنّه يبتلع الطّين والرّمل وموادّ أخرى ثقيلة خشنة ، لا تستساغ إلّا بصعوبة وإيلام . . . . وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ . . . : أي : ويأتيه من الأشياء المعذّبة من كلّ مكان من حوله في جهنّم ، ما يكفي كلّ واحد منها لأن يميت ، لولا أنّ الحياة الأخرى لا موت فيها ، فقد ذبح الموت على أوّل الصّراط ، فما هو بميّت ، ولكنّه يعذّب عذابا يكفي للإماتة لو كان نظام الموت ما زال ساريا ، ميتات بعدد المعذّبات الّتي تصل إليه . . . . وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 ) : أي : ويأتيه بعد هذا العذاب في مستقبل بقائه في جهنّم ؛ عذاب غليظ آخر ، وهكذا مع كلّ زمن لاحق . عذاب غليظ : أي : شديد الإيلام . أصل الغليظ في اللّغة خلاف الرّقيق ، والعصا الغليظة هي الثّقيلة العظيمة . قول اللّه تعالى يصف أعمال الّذين كفروا في مقاومة دعوة الحقّ الرّبّانيّة الّتي أرسل بها رسله عليهم السّلام : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) : في هذه الآية تشبيه تمثيليّ رائع لأعمال الّذين كفروا بربّهم ، الّتي أرادوا بها مقاومة دعوة الرّسل إلى دين اللّه وصراطه المستقيم ، إنّ مثلهم