عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
29
معارج التفكر ودقائق التدبر
وفي سورة ( الأعراف / 39 نزول ) : يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ ، ويظهر لي من هذا التّنويع في البيان أنّ القاعدة العامّة كانت تذبيحا بأداة حديديّة حادّة ، كالسّكّين ، ولكن إذا لم توجد أداة حادّة كان القتل بأيّة وسيلة أخرى ، كالخنق ، والضّرب بحجر على مقتل . فالمعنى : ويذبّحون مواليدكم من الذّكور ، لئلّا يكثر رجالكم فيكونوا خطرا على قوّة آل فرعون العسكريّة . وكانوا يستبقون مواليدكم من البنات اللّواتي سيكون مصيرهنّ أن يكنّ نساء أحياء ، فلا يذبحونهنّ ، ولا يقتلونهنّ بوسيلة أخرى . يقال لغة : « استحيا الأمير الأسير » أي : استبقاه حيّا فلم يقتله . والغرض من استحيائهنّ استعبادهنّ ، وتكليفهنّ الخدمات ، وغير ذلك ، ومعلوم أنّ كثرة النّساء لا تشكّل خطرا على قوّة آل فرعون العسكريّة في مصر . إطلاق كلمة : « نساء » على المواليد من البنات ؛ هو من المجاز المرسل ، وهو من إطلاق اللّفظ على الشّيء باعتبار ما سيؤول إليه ، والغرض هنا الدّلالة على أنّ استحياء البنات يراد به أن يكنّ في المستقبل نساء صالحات للاستعباد والخدمات ، وغير ذلك . وعبارة : وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ من عطف الخاصّ على العامّ فيما يظهر ، وهو : يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ ، وهذا المعنى مضاف على ما جاء في سورة ( الأعراف / 39 نزول ) ، إذ جاءت العبارة فيها بدل بعض من كلّ ، أمّا العطف فقد يحمل معنى التّغاير ، فيكون سوء العذاب شيئا ، وتذبيح المواليد الذّكور واستعباد المواليد الإناث شيئا آخر . . . . وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 6 ) : أي : وفي ذلكم الّذي جرى لكم في مصر امتحان لكم عظيم من ربّكم ، الّذي كافأكم على الصّبر