عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

23

معارج التفكر ودقائق التدبر

الضّلال المراد هنا هو : الضّياع في المتاهات والمهالك والأعمال الباطلة وأنواع السّلوك الإجرامي . ولمّا كان من الاعتراضات الّتي قد يوجّهها الّذين لا يستجيبون لدعوة الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقولوا : لماذا أنزل القرآن باللّسان العربيّ ، مع ادّعاء محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّه رسول اللّه للنّاس أجمعين ، أليس من الأحسن أن ينزّل القرآن بلسان أعجميّ أوسع انتشارا في النّاس من اللّسان العربيّ ، فقال اللّه عزّ وجلّ بضمير المتكلّم العظيم : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 4 ) : أي : وما أرسلنا فيما سبق من تاريخ النّاس من رسول في قوم ، هم قومه الّذين يتكلّم بلسانهم ، ولديه استطاعة أن يبيّن لهم دين اللّه وما ينزّل إليه من آيات كتابه ؛ ما أرسلناه إلّا بلسان قومه ، ليبيّن لهم ألفاظ ومعاني ما أنزل اللّه من كتاب ، وليبيّن لهم مطلوبات اللّه من عباده في الدّين الّذي اصطفاه للنّاس . والمؤهّلون لحمل رسالته من قومه ، من الّذين يستجيب منهم لدعوته ، يقومون بتبليغ رسالته للأقوام الآخرين بلغاتهم وألسنتهم الّتي يتكلّمون بها ، كما فعل رسل عيسى عليه السّلام السّبعون الّذين أرسلهم إلى الأقاليم في جهات الأرض ، فخاطبوا النّاس بألسنتهم ، ودعوهم إلى دين ربّهم ، ببركة دعوة عيسى عليه السّلام لهم أن يتكلّموا بألسنتهم ، وكما فعل الدّعاة المؤهّلون من قوم محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ بلّغوا دين اللّه للنّاس بألسنتهم الّتي تعلّموها أو كان لديهم علم بها . قول اللّه تعالى : . . . فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ . . . :