عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

95

معارج التفكر ودقائق التدبر

التدبّر التحليلي : قول اللّه عزّ وجلّ مبيّنا سنّة من سنن الاجتماع البشريّ ، الّذي من ظاهرات أهل الثّراء والمال الوفير فيه ، أن يقولوا لرسل ربّهم : إنّا بما أرسلتم به كافرون : * وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 34 ) : * فِي قَرْيَةٍ : أي : في مجمّع سكنيّ ولو كان مدينة عظيمة . * مِنْ نَذِيرٍ : « من » زيدت للدّلالة على استغراق العموم ، وذكر لفظ « نذير » يدلّ على كلّ ما يسبق الإنذار من وظائف الرّسول في رسالته . المترفون : هم الذين وسّع اللّه عليهم في الرزق والمال ، فكانوا به ذوي رفاهية زائدة ، وهذه الرفاهية مبطرة تولّد الاستكبار والعزّة بالإثم . أي : وما أرسلنا في أهل قرية من رسول يبلّغ رسالتنا ، ويبيّنها للنّاس ، ويقوم بوظائف رسالته المختلفة ، وفي آخرها إنذار الّذين يكفرون بها ، بأنّهم سوف يلاقون عذاب ربّهم يوم الدّين ، إلّا قال مترفوهم لرسل ربّهم إنّا بما أرسلتم به كافرون . قول اللّه عزّ وجلّ يبيّن افتخار المترفين بأموالهم وأولادهم واستكبارهم بما آتاهم اللّه من فضله ، وجعلهم ذلك دليلا على أنّ اللّه لا يعذّبهم : * وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 35 ) : أي : وقالوا : نحن مفضّلون في هذه الحياة بكثرة الأموال وبكثرة الأولاد ، لميزات ميّزنا ربّنا بها ، فليس من المعقول أن يعذّبنا . قول اللّه عزّ وجلّ يعلّم رسوله فكلّ ناصح مرشد داع إلى اللّه من