عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

789

معارج التفكر ودقائق التدبر

فأجاب اللّه رسوله بأنّ الحكمة تقتضي التّريّث ، وقال له : * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 ) : الصّفح : الإعراض عن الذّنب وعدم المؤاخذة عليه . وأصل الصّفح في اللّغة : الجنب . وصفح كلّ شيء جانباه ، فمعنى عدم المؤاخذة على السّيّئة مأخوذ من إعطاء الجانب إعراضا عن المؤاخذة . * وَقُلْ سَلامٌ : وقل لهم : لكم منّي سلام مفارقة لكم ، وبعد عنكم وعن دعوتكم ، إذ لا جدوى من مجاهدتكم ومجادلتكم لإقناعكم بالحقّ ، فقد ظهر أنّكم ميؤوس من استجابتكم عن طريق إراداتكم الحرّة . * . . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 ) : أي : فسوف يعلمون يوم القيامة ، أنّهم كانوا مبطلين جاحدين معاندين ، يصرّون على باطلهم ، وسوف يعلمون أنّهم كانوا يستهينون بوعيد اللّه وعذابه الشّديد ، حين يرون مقاعدهم في جهنّم ، وحين يشاهدونها وهم على أبوابها يحاسبون ، وحين يذوقون عذابها وهم فيها خالدون ، وفي القراءة الأخرى : [ فسوف تعلمون ] بالخطاب . الفاء في فَاصْفَحْ فصيحة تعطف على محذوف ، تقديره : فلا تستعجل التخلصّ من هؤلاء الأئمة المكابرين المعاندين ، فالحكمة تقتضي إمهالهم الآن ، فاصبر على أذاهم ، وتجاوز عن مقابلة سيّئاتهم بمثلها ، وقل لهم : هذا سلام مفارقة منّي لكم ، وسوف تعلمون أنّكم كنتم قوما مجرمين حين ترون عذابكم يوم الدّين ، كما جاء في القراءة الأخرى . وبهذا تمّ تدبّر الدّرس الأخير من دروس سورة ( الزّخرف ) . والحمد للّه على معونته ، ومدده ، وتوفيقه ، ومنّته ، وفتحه . * * *