عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
761
معارج التفكر ودقائق التدبر
أي : ليس ما قدّموه من اعتراض أمرا صالحا للاعتراض به مطلقا ، إذ الكلام يتعلّق بالمعبودات الوثنيّة وهي من الحجارة ، وذكرت تحت عنوان « ما » لا تحت عنوان « من » . ووقود النّار يوم القيامة النّاس الكافرون والحجارة ، أمّا المعبودون الّذين لا ذنب لهم ، فقد يكونون في الفردوس الأعلى من جنّات النّعيم . فلا حجّة لهم مطلقا في الاعتراض الّذي قدّمه بعضهم ، وضجّ به وصاح كثير من أئمّتهم ، . . بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) : أي : بل هم قوم شديدو الخصومة بالباطل ، وهم لا يعتقدون صحّة ما يقولون ، وإنّما يخاصمون لمجرّد مضادّة من يخاصمونه مهما كان ما يقوله حقّا وصدقا . خصمون : جمع « خصم » وهو من كان شديد الخصومة والمجادلة ولو بالباطل ضدّ الحقّ . قول اللّه تعالى ردّا عليهم بشأن عيسى عليه السّلام : * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) : أي : ما عيسى بإله ، ولا يستحقّ أن يعبد ، ولم نأذن لأحد بعبادته ، ما هو إلّا عبد من عبادنا أنعمنا عليه بالنّبوّة والرّسالة ، وأنطقناه وهو صبيّ ، وآتيناه بعض آياتنا ، تصديقا له بأنّه نبيّ ورسول من أنبيائنا ورسلنا ، ولا يجري آياته إلّا بإذننا ، فنخلق له الآية الخارقة . وجعلناه إذ خلقناه من أمّ بلا أب ، مثلا من أمثلة قدرتنا على الخلق ، دون اتّخاذ الأسباب الّتي اعتاد النّاس أن يشهدوا آثارها في المتكرّرات من تجرباتهم ، وليعلم بنو إسرائيل أنّنا إذا أردنا شيئا فإنّما نقول له كن فيكون ، فنخلقه من خلال قنوات الأسباب ومن غير اتّخاذ قنوات الأسباب ، وذكر بني إسرائيل ليس لقصر رسالته على بني إسرائيل ، بل لمعالجة أفكار مخالفة لهذه الحقيقة لدى بعض بني إسرائيل يتشبّث