عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

735

معارج التفكر ودقائق التدبر

فالمعنى : ومن يجعل بإرادته الحرّة على بصر بصيرته غشاوة ، تجعله كليلا ضعيفا عن الرّؤية في ظلمات أهوائه ، فيعرض بسبب ذلك عن التّفكّر في آيات الذّكر الّذي أنزله الرّحمن لهداية عباده ، وينصرف عن مواطن تدبّرها ، متّبعا أهواءه وشهواته ولذّاته من دنياه ، نهيّئ له ضمن مجاري سنننا في عبادنا الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، شيطانا من شياطين الجنّ ، وقد يكون من شياطين الإنس أيضا ، فهو له مصاحب ملازم ، كأنّه مشدود به بالحبل الّذي يشدّ به الأسير ، فيأنس كلّ منهما بقرينه ، ويستمتع به ، ويشتركان في البعد عن صراط اللّه ، وفي الانغماس في معصيته ، وثبت في صحيح مسلم وغيره ، أنّ مع كلّ إنسان قرينا من الجنّ . قول اللّه تعالى متابعا بيان تأثير القرناء من الشّياطين في الّذين يعشون عن ذكر الرّحمن : * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 37 ) : جاء التّعبير هنا عن جميع الشياطين ، الّذين يكونون قرناء للّذين يعشون عن ذكر الرّحمن ، للتّنويع في البيان ، ولتوكيد اتّصافهم بصفة مشتركة عامّة . وجاء البيان مؤكّدا ب « إنّ - والجملة الإسمية - والّلام المزحلقة » أي : وإنّ القرناء من الشّياطين ، ليمنعون ويصرفون قرناءهم الّذين عشوا بإراداتهم الحرّة عن ذكر الرّحمن ، عن السّبيل الذي هو سبيل اللّه ، الموصل إلى النّجاة والفوز بالخلود في جنّات النّعيم . يقال لغة : « صدّه عن كذا » أي : منعه وصرفه عنه . والمصدودون عن سبيل اللّه يظنّون ظنّا ضعيفا ساقطا لا قيمة له أنّهم مهتدون ، إلى ما يحقّق سعاداتهم .