عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
717
معارج التفكر ودقائق التدبر
يأمر فيه أو يأذن بعبادة غيره ، بل كلّ الرّسل كانوا يأمرون أقوامهم وأممهم بعبادة اللّه وحده لا شريك له ، وكانوا يبلّغون وعيد اللّه الشّديد بعذاب خالد في جهنّم يوم الدّين ، لكلّ مشرك يموت على شركه ، من الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، من الإنس أو الجنّ . وأبان اللّه تعالى أنّ المشركين ليس لديهم علم مستند إلى منطق عقليّ أو حسّيّ مشهود ، وليس لديهم كتاب من عند اللّه يأمرهم فيه أو يأذن لهم فيه بعبادة آلهة من دونه ، بل التّعلّة الّتي تذرّعوا بها أنّهم وجدوا آباءهم على ملّة الشّرك ، فهم سائرون في دينهم على آثار آبائهم ، وهم مهتدون بهذا الاتّباع التّقليديّ ، فقال تبارك وتعالى : * بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ( 22 ) : الأمّة : تأتي بمعنى الطّريقة ، والملّة ، والدّين ، وتأتي بمعنى المجموعة من النّاس الّتي تجمعها صفات ، أو خصائص أو روابط متميّزة ، والمعنى الأول هو المراد هنا . أي : إنّا وجدنا آباءنا سائرين على طريقة وملّة وإنّا نسير على آثارهم ، مقتدين بهم ، ونؤمن بأنّنا مهتدون بهذا الاقتداء . وبعد هذا خاطب اللّه عزّ وجلّ رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأبان له أنّ أقوام الرّسل من قبل قومه أهل قريته مكّة ، قالوا لرسلهم متذرّعين لتسويغ شركيّاتهم الّتي كانوا عليها مثل الّذي قاله مشركو مكّة له ، فذريعة المشركين التّعلّليّة قدمائهم ومن جاؤوا بعد القدماء السّابقين واحدة ، إذ ليس لديهم ما يتذرّعون به غيرها ، فقال اللّه تبارك وتعالى خطابا لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم : * وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ( 23 ) :