عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

711

معارج التفكر ودقائق التدبر

ويلزم من انفصال جزء من ذاته ليكون ولدا له ، أن يكون هذا الجزء متّصفا ببعض صفات أصله في أدنى الحدود ، وأن تكون له ربوبيّة ما ، وإلهيّة ما ، لكنّ اللّه عزّ وجلّ ليس كمثله شيء ، فهو - جلّ جلاله وعظم سلطانه - لا والد له ، ولا ولد له ، ولا صاحبة له ، ولا كفء له ، ولا ندّ له ، سبحانه وتعالى عن المثيل والشّبيه والنّظير ، وعن أن يكون جزءا منفصلا عن غيره ، وعن أن ينفصل عنه جزء بالاشتقاق أو بالتّولّد وبالتّناسل ، أو بغير ذلك ، ومن زعم شيئا من ذلك كان بربّ الكون كلّه كافرا ، لأنّ ما زعمه مخالف للّه ربّ العالمين . إنّ كلّ ذي حياة في الوجود كلّه سوى اللّه عزّ وجلّ ، هو عبد من عباد اللّه ، مخلوق للّه بأمر التّكوين ، فكيف يكون ولدا له وجزءا منفصلا عن ذاته . لكنّ متّبعي أهوائهم وشهواتهم من أفراد الإنسان ، يريدون أن يصطنعوا لأنفسهم أربابا من دون اللّه على ما يشتهون ، وأن يجعلوا لهؤلاء الأرباب من الصّفات والمطالب ما يوافق أهواء نفوسهم الجانحة الجامحة ، وهذا منهم غلوّ في الكفر لستر الحقّ الرّبّاني ، ولمّا كان أكثر أفراد الإنسان من هذا الصّنف الجاحد الكفور الغالي في الضّلال ، كان من المناسب والأمر الحكيم وصف الإنسان بأنّه كفور مبين ، أي : كفور ظاهر الغلوّ في الكفر والجحود . الكفور : صيغة مبالغة لاسم الفاعل « كافر » . الكفر : يأتي في اللّغة بمعنى جحود النّعمة ، وهو ضدّ الشّكر ، وأصل « الكفر » في اللّغة تغطية الشيء تغطية تستهلكه ، وكلّ من كفر شيئا فقد ستره ، ولهذا يقال للزّارع « كافر » . فالكافر في الدّين هو الّذي ستر أدلّة الإيمان وجحدها بعد أن وضحت له .