عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

664

معارج التفكر ودقائق التدبر

النوع الثالث : دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ : أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ : أي : أو أن يرسل رسولا من الملائكة فيوحي هذا الرّسول إلى البشر المختار لإيصال كلام اللّه عزّ وجلّ إليه ، بإذن اللّه وتمكينه ، ما يشاء اللّه تباعا أن يوحي به إليه حرفا بحرف ، وكلمة بكلمة . وختم اللّه تعالى الآية بالتّذكير باسمين من أسمائه الحسنى فقال جلّ جلاله : * إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 ) : عليّ : أي : له العلو الّذي لا يدانيه ولا يقاربه علوّ ، إذ كلّ ما في الوجود كلّه هو من دونه ، وهو مخلوق ومملوك له ، فهو عال على كلّ ما خلق ، وبائن من كلّ ما خلق في ذاته وفي صفاته . حكيم : أي : يضع الأشياء في مواضعها الملائمة لها ، ويختار أفضل الأشياء وأفضل الاحتمالات وأحسنها في الأمور المختلفة ، لما يحقّق أفضل العمل ويحقّق أحسن النّتائج . واختيار هذين الاسمين هنا ، ليشير وصف اللّه بأنّه عليّ إلى أنّ علوّ ذاته وعلوّ صفاته ، لا تحتمل المخلوقات في ظروف الوجود الأوّل الّذي هم فيه ، إدراك شيء من تجلّيّات أنوارهما ، وليس من حكمة اللّه أن يغيّر ما فطر عليه عباده مهما علت منزلة المصطفى منهم في هذا الوجود الأوّل . وهنا يأتي وصف اللّه بأنّه حكيم متمّما في هذا الموضوع لكونه عليّا ، ولاختيار احتمالات أخرى في تكليمه لبشر ما غير احتمال التّكليم المباشر المعروف بين متكلّم وسامع من الحوادث .