عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

657

معارج التفكر ودقائق التدبر

* فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ . . ( 48 ) : أي : فإن لم يستجيبوا فلم يطيعوا بالإيمان والعمل لما دعاهم إليه ربّهم ، ودعوتهم أنت يا محمّد إليه بلاغا عن ربّك . جاء التّعبير عن عدم الاستجابة بالإعراض ، الّذي هو وسط بين الإقبال والإدبار ؛ لأنّ من لم يستجب لدعوة الدّاعي يعرض عنه بوجهه ، ولا يقابله به ، وهذا أخفّ حالات عدم الاستجابة ، وأشدّ منه الإعراض مع النّأي ، فالإدبار ، فالتّولّي إدبارا وابتعادا ، فالمشاقّة وإظهار العداوة ، فإعلان المقاومة بالحرب . * فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً : أي : فلست مكلّفا أن تحوّلهم من الكفر إلى الإيمان والإسلام ، ومن العصيان إلى الطّاعة . الحفيظ : المطالب بحراسة وحفظ ما هو مأمور بحفظه مطالبة شديدة ، ولو بأسلوب الإلزام والقهر ، كالحفيظ المطالب بحفظ بستان بكلّ ما فيه ، أو حفظ قطيع من الغنم أو البقر ، أو نحوهما ، إذ هذا الحفيظ مطالب بأغذيتها ، وبإيوائها ، وحمايتها من العوادي عليها ، وردّ شواردها إلى حظائرها ، ومعالجة مرضاها ، إلى غير ذلك . إنّ الحفيظ حارس مكره مجبر ، ولم يرسل اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ليكون على النّاس حفيظا بهذا المعنى ، إذ هم ذوو إرادات حرّة ، وقد وهبهم اللّه جهاز الإدراك والفهم ، والتّحليل والتركيب ، وأعطاهم القدرة على العقل العلميّ والعقل الإرادي ، فالرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ليس مجبرا ولا مكرها ، وليست وظيفته وظيفة حارس حفيظ . * . . إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ . . : أي : ما عليك يا محمّد إلّا البلاغ ، وهو توصيل ما أمرك ربّك بإبلاغه إلى الناس ، بالبيان الكلامي ، والبيان العمليّ ، والقدوة الحسنة .