عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

646

معارج التفكر ودقائق التدبر

الصّفة العاشرة : دلّ عليها من النّصّ قول اللّه تعالى : وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ( 39 ) : البغي : الاعتداء ، والظّلم ، في الأنفس أو في الأموال أو نحوهما . ذكر اللّه عزّ وجلّ هذا الوصف ، من أوصاف الّذين لهم أجر عنده يوم الدّين هو خير وأبقى من كلّ متاع الحياة الدّنيا ، وفيه إذن لهم بأن ينتصروا لأنفسهم ممّن ظلمهم ، في حدود قوله تعالى عقب ذلك : * وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها : أي : ولو كان المعتدي الباغي كافرا ، فجزاء الباغي بسيّئة أن لا يكون زائدا على سيّئته ، إلزاما بالعدل الّذي أمر اللّه عزّ وجلّ به . ورغّب اللّه عزّ وجلّ الّذين أصابهم البغي في أن يعفوا ويصلحوا ، ووعدهم بأجر خاصّ زائد على أجر أمثالهم الّذين ينتصرون لأنفسهم ، فقال تبارك وتعالى في النّصّ : * . . . فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 ) : في هذا البيان ترغيب في العفو عن إساءات المسيئين من المشركين في العهد المكّي للمؤمنين المسلمين ؛ لأنّ هذا العفو يخفّف من حدّة الصّراع ، ويبيّن لجمهور الكافرين أنّ المسلمين أصحاب فضائل خلقيّة تعلّموها من الإسلام ، فهم لا يقابلون السّيّئات بمثلها ، بل يعفون ويصفحون ، وهذا يمثّل دعاية ودعوة عمليّة للإسلام ، مع قدرة المظلوم المسلم أن ينتصر لنفسه ، ولكنّه عفا لأنّ دينه يرغّبه في هذا العفو ، ويأجره اللّه عزّ وجلّ عليه ، وفيه وعيد للظّالمين بالعقاب أخذا من كناية أنّ اللّه لا يحبّهم . وعبارة وَأَصْلَحَ ذات دلالتين : الدّلالة الأولى : أنّه بعفوه يصلح نفوس كثير من الّذين لم يستجيبوا