عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

638

معارج التفكر ودقائق التدبر

فالمعنى : ومن آيات اللّه في كونه أنّه جعل من قوانينه ، أن تطفو السّفن الكبرى المشبهة للجبال ، وتجري بالرّياح عن طريق توجيه أشرعتها ، ويقاس عليها السّفن الّتي تجري بالطّاقة الحراريّة المحرّكة لمكناتها ودواليبها . وهو - جلّ جلاله وعظم سلطانه - إن يشأ يسكن الرّيح الّتي تتحرّك بأمره ، وبإسكان الرّيح تتوقّف السّفن ، فتكون رواكد سواكن لا تجري . ويقاس على إسكان الرّيح تعطيل الآلات الّتي تتحرّك بالطّاقة الحراريّة ، ولم يتعرّض النّصّ لها لأنّ الإنسان لم يكن قد توصّل إلى اكتشافها عند إنزال القرآن . إنّ في هذه القوانين الكونيّة الدّالّة على أنّ اللّه قد أتقن كلّ شيء صنعا ، والدّالّة على عناية اللّه عزّ وجلّ بعباده ، لآيات كثيرات ذوات دلالات عظيمات على علم اللّه المحيط ، وحكمته السّامية ، وقدرته على ما يشاء ، ولا يصل إلى إدراك دقائق إتقان صنع اللّه وتدابيره السّنيّة إلّا كلّ صبّار في البحث العلمي ، ولا ينتفع بها لدينه ولآخرته إلّا كلّ شكور يشكر اللّه من مرتبة الأبرار أو مرتبة المحسنين . فإن لم يسكن الرّياح فمن الاحتمالات أن يختار تحطيم السّفن ، أو حبسها ، أو تعطيلها وجعلها غير صالحة لأن تجري في البحر ، لتأدية النّاس مصالحهم مسافرين على ظهورها . وإن أنزل اللّه هذا العقاب لراكبي السّفن على بعض جرائمهم يعف عن كثير منها ، ولا يجازيهم عليها كلّها ، رحمة بهم وهم في الحياة الدّنيا ، حياة الابتلاء . وحين ينزل اللّه هذا العقاب بالمذنبين المجرمين ، وحين يعرض في كتابه هذا البيان ، فمن الأغراض أن يعلم الّذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان أتاهم ، والّذين جاء الحديث عنهم في سورة ( غافر / 40 ) أولى