عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
636
معارج التفكر ودقائق التدبر
ربّانها أو ركّابها . وجاء التعبير عن الماء الأعلى في البحر بأنّه ظهره ، تشبيها بظهر الدّابّة الّتي يركب عليها ، وبنيت على هذا التّشبيه الاستعارة . * . . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 33 ) : أي : إنّ في طفو السّفن العظيمة الّتي هي كالجبال على سطح الماء ، وفي جريانها بالرّياح قديما ، وبالطّاقة الحراريّة بعد ذلك ، وقدرة اللّه على إسكان الرّياح إن شاء ، وتعطيل المحرّكات الأخرى الّتي تعمل بالطّاقة الحراريّة ، لآيات هي علامات دالّات على إتقان صنع اللّه لكونه ، وعنايته بعباده : وإتقان الصّنع يدلّ على علمه العظيم المحيط بكلّ شيء ، وعلى قدرته الّتي يخلق بها ما يشاء . وعنايته بعباده تدلّ على رحمته العظيمة بهم في حياة الابتلاء ، الّتي تقتضي منهم أن يؤدّوا واجبات شكره . ولكنّ الإدراك العلميّ للنّظام السّببيّ ، الّذي نتجت عنه ظواهر الطّفو ، وإجراء السّفن بالرّياح الخاضعة لأمر اللّه وتدبيره ، لا يصل إليه إلّا صبّار في البحث العلميّ ، يعمل مجتهدا بدأب لبلوغ المعرفة الحقّ . ولا ينتفع من إدراك عظيم صفات اللّه ورحمته بعباده ، في سلوكه في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا ، إلّا شكور لربّه سابق في الخيرات بإذن اللّه . * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ( 34 ) : * أَوْ يُوبِقْهُنَّ : أي : أو يهلك السّفن بالأمواج والرّياح ، تكسيرا وتحطيما ، وقد يفعل فيهنّ شيئا دون ذلك ، كحبسهنّ في صخور على الشّواطئ أو في البحر ، وكصدمهنّ وإذلالهنّ وتعطيلهنّ عن الحركة ، فهذه الاحتمالات يدلّ عليها فعل « أوبقه » . يقال لغة : « أوبقه » بمعنى « أهلكه » وبمعنى « حبسه » وبمعنى « ذلّله » . * بِما كَسَبُوا : أي : بسبب ما كسب ركّابها من كفريات وجرائم ،