عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

62

معارج التفكر ودقائق التدبر

* سَيْلَ الْعَرِمِ : جاء في تفسير العرم عدّة وجوه ، أحسنها فيما أرى أنّ « العرم » اسم للسّدّ في اللّغة ، قال المبرّد : « العرم : كلّ شيء حاجز بين شيئين » ومعلوم أنّ الماء الكثير المخزون وراء السّدّ إذا انهدم السّدّ تدفّق سيلا شديدا لا يطاق صدّه ، ولا يستطيع الناس مقاومته ، فلا وسيلة لهم إلّا الهرب ، وترك كلّ شيء . ومنها ندرك اختيار كلمة « العرم » من أسماء السّدّ ، لما فيها لغة من معنى الشّدّة أيضا ، يقال لغة : « عرم فلان يعرم عرما » أي : اشتدّ ، وخبث ، وكان شرّيرا . وكذلك « عرم ، يعرم ، عرما ، فهو عرم » أي : صار شديدا شرسا . وعلى هذا يمكن أن تفهم العبارة على الوجه التالي : فأرسلنا عليهم سيل الماء الشّديد العنيف المتدفّق بالوحل ، فمن معاني « عرم الشّيء » كان فيه سواد مختلط ببياض . وبعد أن أرسل اللّه عليهم سيل العرم ، واتلف مزارعهم ، ودمّر مساكنهم ، وأهلك كثيرا من بهائمهم ، هاجر منهم من هاجر إلى منازل شتّى ، وبقي من بقي منهم على شظف ، يرمّمون ويستصلحون على مقادير طاقاتهم ، وكان حالهم كما وصف اللّه عزّ وجلّ : * وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) : * أُكُلٍ خَمْطٍ وفي القراءة الأخرى : [ أكل خمط ] : الأكل . والأكل : الثّمر الّذي يؤكل من الشّجر . والخمط : يأتي بمعنى : الحمل القليل من كلّ شجر . ويأتي بمعنى المرّ من كلّ شيء ، وكلّ نبت أخذ طعما من مرارة . ويطلق على صنف من شجر الأراك له ثمر يؤكل . قال المبرّد : كلّ شيء تغيّر إلى ما لا يشتهى يقال له : خمط . هذه المعاني كلّها صالحة لأن تفسّر بها العبارة هنا . فقراءة : أُكُلٍ خَمْطٍ تفسّر بثمر مرّ ، أو فيه مرارة غير محبّبة لا