عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
606
معارج التفكر ودقائق التدبر
والقرآن وكذلك كتب اللّه السّابقة ، متّصفة بالحقّ لاشتمالها على ما سبق بيانه من معنى الحقّ وامتداد دلالته ، وقد جاء في القرآن بيان هذا ، فقال اللّه تعالى في سورة ( الحديد / 94 نزول ) : * لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 ) . * وَالْمِيزانَ : أي : وأنزل الميزان . الميزان : يطلق على الآلة الّتي يوزن بها ، وهي معروفة ، ويطلق على المثاقيل ذات المقادير المعلومة الّتي توضع عادة في إحدى كفّتي الميزان ، لتوزن بها الأشياء ذوات المقادير المجهولة . ويطلق الميزان ويراد بهذا الإطلاق عمليّة الوزن ، وهو من إطلاق الأداة على المصدر الّذي يدلّ على الحدث . ولمّا كان الميزان الأداة الّتي يقدّر فيها بالحقّ الموزون المعادل لحقّ من يوزن له ، أطلق لفظ الميزان على العدل ، وعلى النّظم والقواعد والوصايا والأحكام الّتي يوصل اتّباعها إلى تحقيق العدل ، الّذي أمر اللّه به في كلّيّات الدّين العامّة ، ضمن استطاعة النّاس ، فهم مطالبون بتحقيق العدل أو الاقتراب منه على مقدار استطاعاتهم ، فأنزل اللّه النّظم والقواعد والوصايا والأحكام ، الّتي يوصل اتّباعها إلى تحقيق العدل ، أو إلى الاقتراب منه على مقدار الاستطاعة البشريّة . وجاء التّعبير بفعل أَنْزَلَ لأنّ كلّ ما يصدر عن اللّه من خلق أو بيان أو أمر أو أيّ شيء هو إنزال ؛ لأنّه جلّ جلاله العليّ الأعلى ، وكلّ ما سواه ومن سواه هو من دونه ، ولا يفيد الإنزال من اللّه دواما معنى إنزال الشيء من السّماء إلى الأرض ، كإنزال الحديد ، وإنزال الأنعام ، فخلق اللّه لها في الأرض هو إنزال .