عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

60

معارج التفكر ودقائق التدبر

وكان من المناسب بعد عرض لقطات من قصّة سليمان المنعم عليه الشاكر ، أن يأتي في البيان عرض لقصّة « سبأ » الّذين أنعم اللّه عليهم فكفروا فسلبهم اللّه وافر النّعمة ، وفي هذا موعظة للمعاندين إبّان التنزيل ، ولأمثالهم من بعدهم . التدبر التحليلي : قول اللّه تعالى : * لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) : وفي القراءة الأخرى : [ في مساكنهم ] بالجمع ، والمؤدّى واحد ، فالمراد البلاد والقرى الّتي كانوا يسكنونها ، هي في مجملها : « مسكن » وأفرادها : « مساكن » . أي : يؤكّد اللّه لكم أيّها المصرّون على كفركم ، أيّها المشركون في مكّة إبّان تنزيل السّورة « بلام القسم و « قد » الّتي للتّحقيق » أنّ قوم سبأ كان لهم في مسكنهم آية من آيات نعم اللّه عليهم ، الّتي يجب عليهم أن يشكروا ربّهم عليها ، بالإيمان الصّحيح الخالي من الشّرك ، وبالإسلام له وطاعته في أوامره وفي نواهيه . هذه الآية هي أن جعل لهم بتوفيقه وتيسيره وعنايته ، جنّتين عن يمين مساكنهم وعن شمالها ، فالماشي في الطريق الممتدّ من أوّل مساكنهم حتّى آخرها ذهابا أو إيابا يجد بساتين وحدائق ومزارع جميلة المنظر ، وافرة الثّمرات ، كثيرة العطاء من الأرزاق للقوم وأنعامهم ودوابّهم . وكانت هاتان الجنّتان تسقيان من المياه المخزونة وراء سدّ مأرب ، إذ ألهم اللّه السّبئيّين ووفّقهم أن يحسنوا الاستفادة من المياه ، وتوزيعها بالسّواقي والمجاري توزيعا بمقادير مناسبة .