عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

580

معارج التفكر ودقائق التدبر

في الجنّة ، وفريق آخر منهم في السّعير ، لسلبهم إراداتهم الحرّة ، ولجعلهم مجبورين ، ولو جعلهم مجبورين لجعلهم مجبورين على الإيمان والإسلام والطّاعة ؛ لأنّ اللّه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان ، ولكانوا حينئذ كالملائكة لا يعصون اللّه ما أمرهم ، ولكانوا يفعلون ما يأمرهم اللّه به آنا فآنا . ولكن شاء اللّه أن يمنح كلّ من وضعه من عباده موضع الامتحان إرادة حرّة ، يريد بها لنفسه طريق الحقّ والخير والهدى ، أو يريد بها لنفسه طريق الباطل والشّرّ والضّلال ، تلبية لرغبات نفسه وأهوائها وشهواتها من الدّنيا العاجلة ، ويأتي بعد هذا الامتحان الحساب ، وفصل القضاء ، يوم القيامة ، وتنفيذ الجزاء الملائم لما قدّم كلّ ممتحن في الدّنيا من عمل اختاره بإرادته الحرّة . فاللّه يدخل في رحمته الّتي من آثارها النّعيم المقيم في جنّات الخلود ، على وفق مشيئته الّتي لا مجبر لها ، بل من كمال صفاته أن يتفضّل على المؤمنين المسلمين من عباده ، وأمّا الظّالمون بكفرهم وتمرّدهم على طاعة ربّهم فلهم عذاب أليم في دار العذاب النّار خالدين فيها ، وحينئذ لا يكون لهم وليّ ما يرحمهم فيحميهم ويؤويهم ، ولا نصير ينصرهم فيدفع عنهم عذاب ربّهم الّذي استحقّوه بالعدل ، ولا يظلم اللّه أحدا مثقال ذرّة . « من » في : « من وليّ » للتنصيص على استغراق عموم النفي . قول اللّه تعالى بشأن المشركين الّذين اتّخذوا من دون اللّه ربّهم أربابا وآلهة شركاء للّه في ربوبيّته أو في إلهيّته : * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 9 ) : * أَمِ تنحلّ إلى إضراب واستفهام . أي : بل توهّم المشركون أنّ