عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
576
معارج التفكر ودقائق التدبر
وجاء في القرآن بيان أنّ اللّه هو الحفيظ وهو الوكيل على عباده وكلّ كونه . فالمراد بكون اللّه حفيظا على عباده أنّه - جلّ جلاله - مهيمن على عباده بسلطانه الجبري ، يحفظهم ممّا في كونه ممّا يسوءهم أو يؤذيهم أو يضرّهم أو يكون شرّا لهم من عوارض ما في كونه ، إذا لم يكن له بشيء منه قضاء وقدر . ويحفظ ما يصدر عنهم من أعمال اختياريّة تدخل في محاسبتهم بعلمه ، وبما يسجّل الملائكة المكلّفون أن يكتبوا أعمال العباد الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، وبما جعل في أجسام العباد أنفسهم من مسجّلات تشهد بها أعضاؤهم عليهم يوم القيامة . والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا يملك شيئا من ذلك ، وليس مسؤولا عن حفظ أحد من أمّته بسلطان جبريّ عن شيء من الكفر والعصيان ، بل هو مبلّغ ما أمره بتبليغه الرّحمن ، وناصح ومرشد ، ومبشّر ومنذر ، ثمّ هم مسؤولون عن إراداتهم واختياراتهم وأعمالهم عند ربّهم . والمراد بكون اللّه جلّ جلاله وكيلا على كلّ شيء ، أنّه هو القائم دواما بحفظ كلّ شيء خلقه ، وهو المتصرّف فيه تصرّفا يشمل كلّ جزء من أجزائه مهما كان صغيرا ، إيجادا وإعداما ، وإمدادا ، وتغييرا ، ويشمل ابتلاء من منحهم الإرادة الحرّة ، ويشمل التّربية والجزاء . فما من أصغر جزء من أجزاء كلّ ذرّة في الكون كلّه ، إلّا هو خاضع لصفات ربوبيّة اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه . فمعنى كون اللّه عزّ وجلّ وكيلا على كلّ شيء صار في الاصطلاح الدّينيّ يشمل هذه المفهومات . والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا يملك شيئا منها ، فهو ليس وكيلا على أحد من أمّته . قول اللّه تعالى خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بضمير المتكلّم العظيم :