عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

539

معارج التفكر ودقائق التدبر

عليه ، والابتعاد عمّا نهاه اللّه عنه ، أو تركه طاعة له ، فهو يستعمل نعم اللّه عليه في معصيته ، فيترك ما أوجب عليه ، ويفعل ما حرّم عليه ، وهذا غاية في نكران نعمة المنعم ، وغاية في مقابلة الإنعام بالجحود والكفران والعصيان . هذا الفريق الكبير من أصناف أفراد الإنسان ينقسم إلى قسمين : القسم الأوّل : من إذا أنعم اللّه عليه بنعم واسعة من متاعات الحياة الدّنيا ، أعرض ولم يتّجه بصدره لمقابلة نعم اللّه عليه بطاعته له ، والعمل بما يرضيه منه ، بل مال وأخذ يتجافى بتثاقل شيئا فشيئا ، راغبا في أن يخوض في معاصيه ومخالفاته مع الخائضين ، وجاءت قراءة [ وناء بجانبه ] دالّة على هذا القسم . القسم الثّاني : نظير القسم الأوّل ، إلّا أنّه يعرض عن مقابلة نعم اللّه عليه بطاعته له ، والعمل بما يرضيه منه ، ويتبع إعراضه بالنّأي والابتعاد بخفّة عن طاعة ربّه ، والخوض السّريع في أوحال المعاصي والمخالفات ، وجاءت قراءة : وَنَأى بِجانِبِهِ دالّة على هذا القسم . ويوجد قسم ثالث سكت النّصّ عنه لأنّه أقلّ عددا من القسمين السّابقين ، وهو قسم المدبرين إدبارا كاملا عن اللّه ، فهو لا يكتفي ابتداء بالإعراض ، وهو وسط بين الإقبال والإدبار ، بل هو يدبر إدبارا كاملا ، كافرا بربّه وبنعمه عليه ، وغارقا في أوحال الجرائم الكبرى . الصّفة الخامسة : دلّ عليها قول اللّه تعالى : . . وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ( 51 ) : أي : وإذا مسّه الشّرّ مسّا فآلمه هذا المسّ ، كان ذا دعاء عريض لربّه ، بأن يصرف اللّه عنه الشّرّ الذي مسّه . وسبق آنفا بيان المراد بالشّرّ . ووصف اللّه عزّ وجلّ دعاءه بأنّه عريض ، للدّلالة على أنّ صوته وهو يدعو يمتدّ بقوّته ذات اليمين وذات