عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
521
معارج التفكر ودقائق التدبر
فالأمر في عبارة : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ أمر تهديد ووعيد . والخبر في عبارة : إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خبر فيه كناية عن عقاب اللّه لهم بعذاب شديد ، بسبب إلحادهم في آياته ، كفرا بها وابتغاء فتنة النّاس عن دين اللّه الحقّ ، بتحريفاتهم وتأويلاتهم الباطلات الفاسدات . قول اللّه تعالى بشأن الّذين كفروا بالقرآن لمّا جاءهم بلاغا على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( 42 ) : * بِالذِّكْرِ : أي : بالقرآن ، سمّاه اللّه عزّ وجلّ ذكرا ، للإشعار بأنّ المطلوب أن يتلقّاه الموضوعون في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، وأن يتدبّروه ، وأن يختزنوا معانيه في ذاكراتهم ، وأن يذكروا منها عند كلّ مناسبة ما يتعلّق بها ، وليعملوا بما يوجب القرآن العمل به ، ويعتقدوا ما يوجب اعتقاده ، ويهتدوا بما دلّ عليه من هداية . * وَإِنَّهُ لَكِتابٌ أي : وإنّه لمطلوب من المؤمنين المسلمين أن يدوّنوه في كتاب محفوظ ، محميّ من التحريف ، والتّبديل ، والزّيادة ، والنّقص . * عَزِيزٌ أي : قويّ غالب ببيانه وحججه وبراهينه ، وكريم ذو كرامة عظمى لما فيه من حقائق وهداية عظيمة . فالعزيز في اللّغة القويّ الغالب . وذو الكرامة الّذي يمجّد بها . * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ . . : أي : لا يأتيه ما يبطل شيئا فيه من حقائق سابقة لتنزيله ، ولا من حقائق مكتشفة أو كائنة بعد تنزيله ، فشمل هذا التعبير الأزمان كلّها ، وتدخل لحظة التّنزيل في عموم ما قبلها أو عموم ما بعدها عرفا ، وهو أيضا محفوظ بحفظ اللّه من التغيير والتّبديل والزيادة والنقص ، فهذا من الباطل .