عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
516
معارج التفكر ودقائق التدبر
قول اللّه تعالى ملتفتا عن خطابهم ومتحدّثا عنهم بالغيبة : * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 ) : أي : فإن استكبر عبّاد الشّمس والقمر ، فلم يستجيبوا للدّعوة الرّبّانيّة ، بنبذ السّجود للشّمس والقمر ، وبالتزام السّجود للّه وحده لا شريك له ، فإنّهم لا يغيّرون بسلوكهم الكفريّ شيئا من وحدانيّة اللّه عزّ وجلّ في ربوبيّته أو في إلهيّته ، وإنّهم بسلوكهم الكفريّ هذا يكونون شاذّين بعناد ، وخارجين عن صفوف مليارات مالئات للسّماوات العظمى ، من الملائكة المطهّرين من المعاصي والآثام وخبائث النّفوس ، وهم جميعا يسبّحون للّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - باللّيل والنّهار ، ويسجدون له ويركعون ، لا يسأمون ، أي : لا يملّون ولا تضيق نفوسهم من توالي العبادة وطول مدّتها . وجاء في بيان آخر أنّهم لا يفترون ، بل عبادتهم متواصلة كأنفاس النّاس للمحافظة على حيواتهم . قول اللّه تعالى مبيّنا من آياته التّكوينيّة آية إحياء الأرض بعد موتها ، وأنّ هذا الإحياء يشبه إحياء الموتى ، وأنّ اللّه على كلّ شئ قدير : * وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) : الخشوع : هو في اللّغة الخضوع ، والسّكون ، وقد يدلّ على الخوف في الأحياء ، أمّا إطلاق الخشوع على الأرض الّتي لا نبات فيها ، فالمراد به تشبيهها بالخاضع الذّليل الّذي ساوى جسده بالأرض ، كالميّت المنبسط الّذي لا حركة له ، والخطاب موجّه لكلّ فرد صالح للخطاب . * . . فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ . . :