عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
504
معارج التفكر ودقائق التدبر
جاء في الآية ( 6 ) من هذه السّورة تكليف الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدعو المشركين إلى التوحيد والاستقامة إلى اللّه وإلى الاستغفار . وجاء في هذه الآيات من ( 30 - 32 ) بيان يتعلّق بالمؤمنين الموحّدين المستقيمين على صراط اللّه . * إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا . . : أي : إنّ الّذين أعلنوا بألسنتهم متحدّين الطّغاة من أئمة الكفر ، أنّ اللّه ربّهم لا شريك له في ربوبيّته ، فلا شريك له في إلهيّته ، وكان هذا الإعلان تعبيرا صادقا يطابق ما في قلوبهم من إيمان راسخ ، بدليل استقامتهم في حياتهم بعد ذلك على صراط اللّه ، مطبّقين مقتضيات إيمانهم بأنّه لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له . وقد سبق بيان الاستقامة لدى تدبّر الآية ( 6 ) من هذه السورة ، ومعلوم أنّ الاستقامة على سلوك صراط اللّه من أشقّ الأعمال الدّالّة على الالتزام بمقتضيات الإيمان الصحيح الصّادق . ودلّ حرف « ثمّ » على توالي استقامتهم في كدحهم عبر حياتهم ، إلى الغاية الّتي يلاقون فيها حساب اللّه وفصل قضائه بشأنهم . * . . تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ : يخبرنا اللّه عزّ وجلّ بأنّ الملائكة المكلّفين أن يثبّتوا المؤمنين الّذين قالوا ربّنا اللّه ثمّ استقاموا ، تتنزّل عليهم آنا فآنا كلّما تعرّضوا لمقلقات مزعجات بالمخاوف والمحزنات ، فتلقي بما يشبه حديث النّفس في قلوبهم معاني تفسيرها أن لا تخافوا من مكاره تنزل بكم ؛ لأنّ المكاره الّتي يختارها ربّكم لكم هي خير لكم ، في عاجل أمركم وآجله ، ولا تحزنوا على شيء فاتكم من محابّكم ؛ لأنّ اللّه ربّكم قد اختار لكم ما هو خير لكم وأفضل ، جزاء إيمانكم واستقامتكم .