عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

491

معارج التفكر ودقائق التدبر

* . . . قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ . . . ( 21 ) : أي : ما سبق أن عملتموه بنا في الحياة الدّنيا مسجّل في داخل خلايانا تسجيلا كاملا ، وقد أنطق اللّه بسلطان قدرته ما هو مسجّل في باطن خلايانا ، فنحن لا نستطيع إلّا النّطق بما هو فينا مسجّل تسجيلا تامّا ، ويجري نطقنا بالجبر الرّبّاني ، كما أنطق اللّه كلّ شيء بالتّسبيح بحمد اللّه . وهذا ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الإسراء / 50 نزول ) : * تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( 44 ) . فدلّت هذه الآية على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أنطق كلّ شيء بالجبر بالتّسبيح بحمد ربّه ، فجلود الكافرين يوم الدّين ينطقها اللّه بما هو مسجّل فيها من أعمالهم في رحلة الحياة الدّنيا ، كما تنطق أشرطة تسجيل الأصوات والصّور بما هو مسجّل فيها ، وهو ما توصّل النّاس إلى اكتشافه في هذا العصر الّذي نعيشه . قول اللّه تعالى معقّبا على هذا المشهد من مشاهد حساب الكافرين يوم الدّين ، ومتابعا متابعة تصديق لما قالته جلودهم من أنّ اللّه أنطقهم ، الّذي أنطق كلّ شيء ، وموجّها بيانه للكافرين وهم في الدنيا ، ثمّ في الآخرة : * . . وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 ) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) : * . . . وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ : أي : واللّه الّذي أنطق كلّ شيء ، هو خلقكم أوّل مرّة من عناصر لا حياة فيها ولا علم لها ولا تنطق ، فجعلكم أحياء ذوي علم تنطقون وتفهمون النّطق الّذي يوجّه لكم