عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

49

معارج التفكر ودقائق التدبر

جاء في كتب التفسير أنّ اللّه أسال لسليمان عينا من الأرض تخرج النّحاس الذّائب ، أخذا من ظاهر اللّفظ القرآني . ولم يأت عند أهل الكتاب ذكر لهذه العين الّتي أسالها اللّه لسليمان عليه السّلام ، ولكن جاء في « قاموس الكتاب المقدس » أنّ التّنقيب أظهر في « عصيون جابر » مسابك للنّحاس ترجع إلى عصر سليمان . فالمرجّح أنّ اللّه عزّ وجلّ علّمه أن يتّخذ للنّحاس مسابك ، ذات أفران عالية الحرارة ، يذوب في « بوتقات » كبيرة ، ويصبّ الذّائب في مجاري كالسّواقي ، ليصبّ في القوالب المصنوعة له ، حتّى يبرد على أشكالها ، ولعلّ هذا لم يكن معروفا قبل زمانه ، فكان من العطاءات الرّبّانيّة الّتي وهبها اللّه له . ويكفي أن يكون سليمان عليه السّلام هو الآمر لعمّاله من الإنس والجنّ ، وأن يكون المعلّم والمرشد ، دون أن يكون المباشر للأعمال بنفسه ، واللّه أعلم . المنّة الثالثة : دلّ عليها في النّصّ قول اللّه تعالى : . . وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) : وجاء في سورة ( ص / 38 نزول ) قول اللّه عزّ وجلّ مبيّنا لقطة ممّا سخّر اللّه لسليمان عليه السّلام : * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ( 37 ) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 38 ) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 39 ) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 40 ) : وجاء في سورة ( الأنبياء / 21 مصحف / 73 نزول ) بشأن بعض ما سخّر اللّه عزّ وجلّ لسليمان عليه السّلام :