عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
431
معارج التفكر ودقائق التدبر
الفاء في فَلَمَّا أرى أنّها فصيحة تعطف على محذوف فيما أرى ، أي : كان هؤلاء المهلكون السّابقون خارجين عن دين اللّه الحقّ وعن صراطه المستقيم ، فلمّا جاءتهم رسلهم الّذين أرسلهم اللّه إليهم بالبيّنات الواضحات من الآيات المنزّلات ، والمعجزات الشّاهدات على صدق الرّسل فيما يبلّغون عن ربّهم ، لم يقبلوا العلم الرّبّانيّ الّذي جاءهم به رسل اللّه ، فرحين بما عندهم من علم ينفعهم في أمور مآكلهم ومشاربهم ومساكنهم ومناكحهم وأمنهم ، وسائر مصالحهم من دنياهم ، ورفضوا الاستجابة لما يتعلّق بأمور آخرتهم ، ومصيرهم الأبديّ . واستمرّوا كذلك حتّى استحقّوا عقاب اللّه بتعذيبهم ، وإهلاكهم إهلاك استئصال ، وكانوا يستهزئون بإنذارات رسلهم بعذاب اللّه لهم وإهلاكهم إهلاك استئصال ، ولمّا حان وقت عقابهم بحكمة اللّه وقضائه ، حاق بهم ما كانوا به يستهزئون . حاق بهم : أي : أصابهم وأحاط بهم ، يقال لغة : « حاق به العذاب ، يحيق ، حيقا ، وحيوقا ، وحيقانا » أي : أصابه ، وأحاط به ، ولزمه ووجب عليه . قول اللّه تعالى متابعا بيان حالهم حين أحاطت به وسائل تعذيبهم وإهلاكهم ، ورأوها مقبلة إليهم : * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ( 84 ) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ ( 85 ) : البأس : العذاب الشّديد . والشّدّة في الحرب . السّنّة : الطّريقة المتّبعة . أي : فلمّا رأوا إقبال وسائل عذابنا الشّديد لهم ، وأيقنوا أنّهم