عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

373

معارج التفكر ودقائق التدبر

* وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ( 36 ) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ ( 37 ) : قرئ : [ لعلّي أبلغ ] بفتح ياء المتكلم . وقرئ [ فأطّلع ] بالرفع على أن الفاء عاطفة غير سببيّة . لقد خشي فرعون أن يتأثّر بعض ملئه بدعوة الّذي آمن من آله ، فعلّق بدهائه الأمر على اتّخاذ وسيلة من وسائل البحث ، مشعرا بأنّه يريد التّأكّد من صحّة كون موسى رسولا من ربّه ، وأعرض عن إصدار الأمر بقتله ، وتنازل عن الجزم بأنّه كاذب ، مكتفيا ببيان أنّه يظنّه كاذبا . وطرح فرعون بدهائه وسيلة يطول أمد تحقيقها ، فقال لوزيره الأوّل : * يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً : أي : قصرا عاليا لعلّي أبلغ إلى أسباب علويّة ، أصل بوساطتها إلى السّماوات ، فأطّلع هناك إلى إله موسى ، فأعرف منه هل موسى رسوله حقّا أم لا ؟ ! . الصّرح : القصر العالي ، والبناء الشاهق الذاهب ارتفاعا في السماء . لقد قذف فرعون القضيّة بهذه الحيلة الشّيطانيّة ، وعلّقها على أمر خرافيّ متعذّر التحقيق ، وهو يشعر بأنّ قومه : إمّا هم ضعفاء التّفكير قليلو العلم ، يرون أنّ لفرعون قدرات تمكّنه إذا بنى الصّرح العالي من اتّخاذ أسباب توصله إلى السّماء وهنالك يطّلع إلى إله موسى . وإمّا شياطين مثله يواطئونه على أكاذيبه وحيله ، فهم شركاؤه في الملك والسّلطان والمنافع . وبهذا قطع فرعون بحث هذه القضيّة داخل قصر الحكم ، بانتظار بناء الصّرح واتّخاذ الأسباب إلى السّماء . * لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ : أي : لعلّي أبلغ الأسباب العالية الرفيعة في الأجواء العليا .