عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
371
معارج التفكر ودقائق التدبر
عند اللّه وعند الّذين آمنوا ، لانكشاف مراوغاتهم وحيلهم الجداليّة ، للإيهام بأنّ الحقّ الرّبّانيّ باطل ، وللإيهام بأنّ باطلهم حقّ ، دلّ على هذا الخبر عبارة : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا الّتي جيء بها لإنشاء الذّم . إنّ من الأمور الفطريّة في النّفوس أن يمقت المؤمنون دعاة الحقّ ، من يظهر لهم أنّه يراوغ ويحتال ويكذب ويضلّل في جداله لينصر باطله ويوهم أنّه حقّ ، ويوهم أنّ الحقّ باطل . * . . كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 ) وفي القراءة الأخرى : [ كذلك يطبع اللّه على كلّ قلب متكبّر جبّار ] بتنوين لفظ « قلب » . الطّبع في المادّيّات الملموسة كالختم ، وقد كان من عادة الملوك وغيرهم إذا أرسلوا رسائل ، وأرادوا المحافظة على سرّيّة ما فيها ، أقفلوها بإحكام ، ووضعوا عند مكان إقفالها طينا خاصّا يطبعون عليه خاتمهم الخاصّ بهم ، فيجفّ الطّين ومثال الخاتم عليه مطبوع ، فلا يعرف ما في داخل الرّسالة إلّا بكسر خاتم الطّين . وعلى سبيل التوسّع في التّعبير بنقل ما هو للمادّيّات للمعنويّات ، جاء في القرآن المجيد التعبير بالطّبع وبالختم على القلوب ، للدّلالة على أنّها صارت محجوبة عن إدراك أيّ شيء يتعلّق بما هي محجوبة عنه . وطبع اللّه على القلوب لا يكون بصورة ابتدائيّة جبريّة ، ولكن يكون نتيجة ما يكسبه العبد بإرادته ، من أعمال ظاهرة أو باطنة ، وهذه الأعمال يتولّد عنها الطّبع ، بمقتضى سنّة اللّه في عباده ، ضمن قوانين الأسباب والمسبّبات الثابتة . وقوانين الأسباب والمسبّبات إنّما تتحقّق نتائجها بخلق اللّه .