عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
357
معارج التفكر ودقائق التدبر
بقتل موسى ، بأنّه يخاف أن يبدّل دين قومه الوثنيّ ، ويخاف على سبيل الجزم أن يظهر موسى في الأرض الفساد ، إذ يحرّض الشّعب على التّمرّد على سلطان القصر الفرعوني ، أو أن يتمرّد الشّعب بنفسه عليه . وقد اعتبر فرعون هذا التّمرّد فسادا ، شأنه في هذا كشأن كلّ ذوي السّلطان في كلّ الدّول ، إذ يعتبرون كلّ داع إلى إصلاح قوانين الدّولة ، أو مذهبها الدّيني أو الإداري ، مفسدا في الأرض ؛ لأنّ هذا الإصلاح يضرّ بمصالح ذوي السّلطان الظالمة . وكان فرعون يتردّد في إصدار مثل هذا الأمر لأنّه كان يخاف أن يدعو موسى ربّه ، فيحبط ربّه كيدهم ، وينزل نقمته عليهم . لكنّه بعد أن ضاق صدره بموسى وبنشاطه الدّعويّ الدّائب ، جازف وهو منطمس البصيرة فقال : وَلْيَدْعُ رَبَّهُ . وبلغ موسى عليه السّلام ما يدبّر القصر الفرعونيّ ضدّه من إصدار أمر بقتله ، إمّا عن طريق المؤمن الّذي يكتم إيمانه بين آل فرعون ، وإمّا عن طريق الوحي الرّبّانيّ ، فقال مسمعا رجالا من رجال فرعون ، ومشعرا بما يدبّرون : * . . إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ( 27 ) : أي : إني لجأت مستعيذا لحمايتي وحفظي بربّي الّذي هو ربّكم من كلّ متكبّر ظالم كافر لا يؤمن بيوم القيامة الّذي يكون فيه حساب النّاس من قبل ربّ العباد ، وفصل القضاء بشأنهم ، وتنفيذ جزائه . وقد أثبت التّاريخ أنّ اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه قد أعاذه ، فأنجاه وأهلك أعداءه المتكبّرين الظّالمين ، الّذين لا يؤمنون بيوم الحساب ، والّذين أرادوا أن يقتلوه . قول اللّه تعالى يبيّن ما كان من مؤمن آل فرعون الّذي كان يكتم إيمانه ، في اعتراضه على تدبير أمر قتل موسى عليه السّلام :