عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
267
معارج التفكر ودقائق التدبر
قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ( 64 ) ؟ ! . الاستفهام في هذه الآية فيه دلالة على معاني التعجب ، والاستنكار ، والتوبيخ للمشركين ، الّذين يدعون ويأمرون بعبادة غير اللّه . والمعنى : أوصلت بكم الجهالة والمكابرة بالباطل والوقاحة إلى أن تقدّموا لي آلهة غير اللّه خالق كلّ شيء ، وهو على كلّ شيء وكيل ، وله مقاليد السّماوات والأرض ، وتأمرونّي أن أعبدها ، وأنا رسوله الّذي أدعوكم إلى عبادة اللّه وحده ، لا تشركون بعبادته شريكا ، أيّها الجاهلون . ما هذه الحماقة الّتي ترتكبونها ؟ ! ، ما هذه السّفاهة الّتي لا تخجلون منها ؟ ! أصل الجهل مأخوذ من قولهم : « جهلت القدر ، تجهل جهلا ، وجهالة » أي : اشتدّ غليانها ، وهو ضدّ « تحلّمت » . ويقال : « جهل فلان على فلان » أي : جفا وتسافه . ويطلق الجهل أيضا بمعنى عدم العلم بالشّيء . وأرى أنّ معنى الحماقة والسّفاهة هو المراد هنا ؛ لأنّ المشركين لا يجهلون جهلا علميّا دعوة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى التوحيد ، وتمسّكه به ، ولكن تغلي صدورهم غضبا من انتشار الإسلام في مكّة ، فيحاولون أن يقفوا موقف الدّاعي المضادّ النّدّ إلى عبادة آلهتهم ، ويوجّهون دعوتهم إلى رسول ربّهم ، الّذي يعيب آلهتهم ويسفّه أحلامهم ، ليخدعوا جماهيرهم بأنّهم على حقّ ، وأنّهم يواجهون الرّسول والمؤمنين به بندّيّة في المبادئ والمفاهيم . قول اللّه تعالى متابعا خطابه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ليسمع المشركين بأسلوب غير مباشر : * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 ) :