عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
204
معارج التفكر ودقائق التدبر
« ثنى الشّيء يثنيه » أي : ردّ بعضه على بعض ، فالقماش الّذي يثنى بعضه على بعض بصفة متوالية ، تسمّى طيّاته « مثاني » . وقد ذكر المفسّرون وجوها متعدّدة لتفسير كون القرآن مثاني ، وهي تعتمد على ما في لفظ « مثاني » من معنى التّكرير ، كتكرير آيات « الفاتحة » في ركعات الصّلوات . والّذي ظهر لي من خلال تدبّري الطّويل لآيات كثيرات من القرآن المجيد ، أنّ المراد بوصف القرآن بأنّه « مثاني » أنّ له سطوحا ظاهرة ، وهي ما يدرك من الكلمات المقروءات في أعلى كل مثناة منه وأن فيه مطويّات في باطن الثّنيات هي محذوفات لفظا ، ويمكن إدراكها ذهنا ، عن طريق اللّوازم الفكريّة ، أو الدّلالات اللّفظيّة ، كحرف جرّ ، أو حرف عطف ، أو تعدية الفعل لغير ما يتعدّى به لغة ، إلى غير ذلك من أمور كثيرة تعتمد عليها المحاذيف ، ومنها العطف على محذوف بما يسمّى الفاء الفصيحة ، وقد رأيت أنّ كلّ حروف العطف قد تعطف في القرآن على محذوف مطوي . وكملء فراغات القصص القرآنيّة بعضها من بعض ، إذ تبدو في الظّاهر أنّها مكرّرات ، وهي في الحقيقة متكاملات فيما بينها ، يتداخل بعضها في بعض ، فيكمّل بعضها الظّاهر هنا ، النّصّ الآخر ، إذ يملأ فراغ مطويّ فيه ، ومنها الحذف من الأوائل لدلالة ما في الأواخر ، والحذف من الأواخر لدلالة ما في الأوائل من النّصّ . وكلّ ذلك هو من الإعجاز الإيجازيّ في القرآن المجيد . وأفضل تعبير عن هذه الصّفة في القرآن الكريم ، أن يوصف بأنّه « مثاني » تظهر في السّطوح المقروءة من مثانيه جمل وكلمات ، وتوجد مطويّات داخل المثاني تستخرج بالتّأمّل الدّقيق ، وبالاستنباط العميق ، ضمن ضوابط الفكر ، وقواعد الاستعمال اللّغويّ وأماراته ، إمّا عن طريق الحقيقة ، أو عن طريق المجاز .