عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

187

معارج التفكر ودقائق التدبر

وأصل معنى « الطاغوت » كلّ رأس في الضّلال ، ويطلق على الشيطان ، والكاهن ، والساحر . * وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها : اجتناب الشّيء : يكون بالابتعاد عن حدوده ، وعدم الاقتراب منه ، وليس مجرّد عدم الوقوع به . فالمعنى : والّذين ابتعدوا عن الاقتراب من كلّ الطّواغيت ، وهي آلهة المشركين ، والاقتراب من الدّعاة إلى تعظيمها وعبادتها ، حذر أن يستنزلوا أو يزلقوا إلى عبادتها ، ولو بقبول أحكام التحليل والتحريم ، وما يفتريه سدنتها من أخبار عن مغيّبات ، وهذا من عبادتها . فالعبارة فيما أرى على تقدير : « حذر أن يعبدوها » . فالتّعبير باجتناب الطّواغيت حذر عبادتها يدلّ على شدّة إيمانهم بتوحيد اللّه في ربوبيّته وفي إلهيّته ، وشدّة كراهيتهم للشّرك ، على أيّ صورة من صوره ، وأيّ عنصر من عناصره . * . . وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ . . : يقال لغة : « أناب فلان إلى الشّيء ينيب » ، أي : رجع إليه مرّة فمرّة ، فهو « منيب » . أطلق على الإيمان وترجمته بالعمل الصّالح : إنابة ، لأنّه رجوع إلى الفطرة الّتي فطر اللّه النّاس عليها ، وهي الإيمان الصحيح بربوبيّة اللّه . ولمّا كان هذا الرّجوع لا يتمّ الكمال فيه دفعة واحدة ، كان من المناسب أن يختار للدّلالة عليه فعل : « أناب » الّذي يدلّ على الرّجوع مرّة بعد مرّة . * . . لَهُمُ الْبُشْرى . . : البشرى : اسم للتّبشير . كما أنّ « الذّكرى »