عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

169

معارج التفكر ودقائق التدبر

ولا تحمل نفس وازرة من شأنها أن تحمل أوزارها الّتي تكتسبها ، وزر نفس أخرى قد حملت بما اكتسبت أوزارا وذنوبا . الوزر : هو في اللّغة الحمل الثّقيل ، ومن الأحمال الثقيلة أسلحة الحرب . ولمّا كان ارتكاب الذّنب وفعل الإثم ، ممّا يتحمّل به الإنسان ما يشبه الحمل الثّقيل ، أطلق في اللّغة لفظ « الوزر » على الذّنب الّذي يرتكبه المكلّف المختار ، المسؤول عن أعماله الإراديّة . وجمع لفظ « وزر » يأتي على « أوزار » . يقال لغة : « وزر ، يزر ، وزرا ، ووزرا ، وزرة » أي : حمل حملا ثقيلا ، أو ارتكب ذنبا ، فهو « وازر » وهي « وازرة » . ومن هذه القضية ندرك أنّ المسؤوليّة عن الأوزار ، عند اللّه العزيز القهّار ، مسؤوليّة شخصيّة ، ولا شكّ أنّ هذا هو ما يقتضيه العدل الرّبّانيّ ، وتقتضيه موازين العقول السّليمة ومقاييسها الصحيحة . القضيّة الخامسة : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ : . . ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 7 ) . أي : ثمّ بعد انتهاء حياة الابتلاء الّتي تجتازونها ممتحنين تموتون ، ويوم البعث تبعثون لتلاقوا أحداث الآخرة ويوم الدين ، وفيه يكون إلى حساب ربّكم ، وفصل قضائه ، رجوعكم ومكان رجوعكم ، وزمان رجوعكم ، فإذا كنتم في محكمته فإنّه ينبّئكم بما كنتم تعملون في حياة امتحانكم ليحاسبكم على ما قدّمتم ويفصل القضاء بينكم ثمّ يكون تنفيذ الجزاء الرّبّانيّ ، على وفق ما تمّ به قضاؤه ، جلّ جلاله وعظم سلطانه . ولا تتصوّروا أنّ اللّه يحاسبكم يوم الدّين على ما يظهر من أعمالكم بجوارحكم الظّاهرة ، بل يحاسبكم على ما كسبت قلوبكم ونفوسكم بإراداتكم من أعمال ، كالنّيّات السّيّئات ، وإرادات الشّرّ ذوات الآثار في سلوك النّفس ،