عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
162
معارج التفكر ودقائق التدبر
وما جاء هنا قد جاء تذكيرا بما سبق بيانه وتفصيل فضل اللّه به على النّاس . وجاء هنا استعمال فعل : « أنزل » بدل فعل « خلق » للدّلالة على أنّ كلّ ما يصدر عن اللّه من خلق وتصاريف هو إنزال ، لأنّه تبارك وتعالى العليّ الأعلى ، وكلّ خلق يخلقه يكون من دونه ، فهو إنزال من لدنه بالخلق والتّكوين . قول اللّه تعالى خطابا للنّاس أيضا : * . . . يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ . . . * يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ : دلّ الفعل المضارع في يَخْلُقُكُمْ على عمليّات الخلق الرّبّانيّ المتتابع ، الّذي يكتشف علماء الأجنّة منه الأطوار الّتي يظهر فيها تغيّر مشهود في الجنين ، وهو في الحقيقة خلق متتابع . وجاءت عبارة : خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ لبيان أنّ كلّ تغيّر في أحوال الجنين مهما قلّ ولو كان نموّا ، هو خلق جديد ، من بعد خلق سابق له ، ومنه نستفيد أنّ عمليّات الخلق الرّبّانيّ متتابعة في الكائنات ، مع أصغر الوحدات الزّمنيّة ، ولكلّ قسم لا يقبل عقلا القسمة من ذرّات هذا الكون كلّه . * . . . فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ . . : وقد أبان علماء الأجنّة هذه الظّلمات الثّلاث مرسومة بالصّور ، ومحدّدة بالأسماء ، وأنقل هنا من كتاب « خلق الإنسان بين الطّبّ والقرآن » للدّكتور : « محمّد علي البار » : « إذا دقّقنا النّظر في الأغشية المحيطة بالجنين وجدناها ثلاثة :