عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

118

معارج التفكر ودقائق التدبر

دلّ ما جاء في هذا التّعليم على أنّ فريقا من سفهاء قومه ، صاروا يصفونه بالرّجل الضّالّ ، وسيلة إعلاميّة لصدّ النّاس عنه ، بعد أن أخذ الّذين يستجيبون لدعوته يتكاثرون . هذا التّعليم مشبع بالرّفق والنّزاهة والحكمة في الرّدّ ، فليس فيه ردّ الشّتيمة بمثلها ولا بأدنى منها ، بل فيه ترديد الأمر بين احتمالين ، والإجابة على كلّ من الاحتمالين ، وفيه أخيرا إلماح إلى عقاب اللّه السّميع القريب ، الّذي من عدله أن يعاقب مستحقّي العقاب ، الّذين يشتمون رسول ربّهم بأنّه ضالّ ، ليصدّوا النّاس عنه وعن دعوته إلى سبيل ربّه . * قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي . . : أي : إن كنت ضللت عن صراط الحقّ والرّشاد ، وابتعدت عن الحقّ والخير والهدى ، وأتابع مسيرتي ضالّا ، فإنّي لا أضلّ إلّا جانيا على نفسي ، إذ أعرّضها للعقاب من ربّي الحكم العدل ، فكلّ من ضلّ مريدا مختارا عالما بما اختار من ضلال ، فلا بدّ أن يستحقّ عقاب ضلاله بمقتضى عدل اللّه العزيز الحكيم ، ولن يتركني أنتصر ، بل سيأخذني بعدله . وفي هذا تعريض للّذين افتروا عليه واتّهموه بالضّلال ، وهم يعلمون أنّه على هدى من ربّه ، وإشارة ضمنيّة بأنّهم يعرّضون نفوسهم لعقاب اللّه الشّديد يوم الدّين ، وخذلان عاجل في الدّنيا . * . . وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي . . : أي : وإن كنت اهتديت وأتابع مسيرتي مهديّا وهاديا ، فليس هذا منّي ، بل بسبب ما يوحي إليّ ربّي ، من بيانات ينزّل عليّ آياتها ، وهي ما أبلّغه للنّاس عنه ، فتدبّروها إن شئتم وقارنوا بينها وبين أعمالي وما أدعو إليه . * . . إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ( 50 ) : أي : إنّ ربّي سميع لأقوالكم