عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

91

معارج التفكر ودقائق التدبر

التوسعة على بعض عباده ، والتضييق على آخرين منهم ، ليبلو كلّا منهم بما يلائم فطرته الّتي فطره عليها . مَتَّعْنا بِهِ : أي : جعلنا من آتيناه سعة من متاع الحياة الدّنيا ، ينتفع به انتفاعا مؤقّتا صائرا إلى الزّوال . المتاع : ما ينتفع به ومصيره إلى الزوال والفناء . وجاء في سورة ( طه / 20 مصحف / 45 نزول ) في آية مدنيّة مضمومة إلى سورة مكيّة قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والمقصود كلّ حامل لرسالة الدّعوة إلى اللّه من أمّته : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) . وقد سبق شرح هذه الآية لدى تدبّر سورة ( طه / 45 نزول ) . * قول اللّه تعالى لرسوله في الوصيّة الثالثة : * . . . وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ . . . : أي : ولا تحزن على الكافرين المكابرين المعاندين بسبب تعريضهم أنفسهم لعذاب جهنّم خالدين فيها . فقد كان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم شديد الشّفقة على قومه ، ولا سيما عشيرته الأقربون ، شديد الرّحمة بهم ، حريصا على أن يؤمنوا لينجو من عذاب اللّه يوم الدّين ، وليظفروا بالسّعادة الخالدة في جنّات النعيم . فإصرارهم على ما هم فيه من شرك وكفر برسالته ، وبما جاء به عن ربّه ، في مقابل شفقته عليهم ، ورحمته بهم ، أمر من شأنه أن يحزنه ، لأنّ من يحرم ممّا هو شديد الحرص عليه يحزن لفواته ، بمقتضى طبيعته البشريّة ، وهذا الحزن يؤثّر على نفسه ، وقد يثبّط من نشاطه في مجال تأدية رسالته المأمور بأن يبذل فيها قصارى ما يملك من جهد ومجاهدة لتوصيلها للناس .