عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

86

معارج التفكر ودقائق التدبر

التّدبّر التحليلي : * قول اللّه تعالى يتحدّث بضمير المتكلّم العظيم المنزّه عن العبث والفعل الباطل : * وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ( 85 ) : أي : وما خلقنا السّماوات والأرض وما بينهما ، وما خلقنا النّاس في الأرض وسخّرنا لهم ما في السّموات والأرض عبثا ، بل خلقنا كلّ ذلك متّصفا بالحقّ الّذي لا باطل فيه ولا عبث ، وهو أن نجعل الحياة الدّنيا مرحلة لامتحان الّذين نضعهم فيها موضع الامتحان ، من الإنس والجنّ ، وكلّ ممتحن في هذه المرحلة نؤتيه بحكمتنا ما يلائم امتحانه بحسب الفطرة النّفسيّة الّتي فطرناه عليها . وإنّ السّاعة الّتي يكون بعدها يوم الدّين لآتية حتما ، إذ نبعث الموتى للحياة الأخرى ، الّتي يكون فيها الحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، بالنعيم المقيم ، أو بالعذاب الأليم . واعلم أنّ رحلة الحياة الدّنيا رحلة قصيرة جدّا في جنب الآخرة ، فإذا أوذيت في اللّه وأنت تؤدّي وظائف رسالة ربّك ، فلا تحزن ولا تقابل الأذيّة بمثلها ، بل اصفح الصّفح الجميل ، وهذه هي الوصية الأولى . الصّفح الجميل : يكون بالإعراض عن مقابلة من يؤذيك بمثل أذيّته ، وعدم الاشتغال بدفع أذاه عنك ، فإعراضك عنه يحبط أذيّته عن أن تكون لها آثار ضارّة لك أو لدعوتك . أصل الصّفح في اللّغة : الجنب ، فصفح كلّ شيء جانبه . ويقال : صفح فلان عن المذنب ، أي : أعرض عن ذنبه ، فلم يؤاخذه عليه ، ولم يقابله بمثله ، وهذا المعنى مأخوذ من أنّه أعطاه جانبه معرضا عنه ، غير مواجه له بالعقاب .