عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
69
معارج التفكر ودقائق التدبر
هذا بيان صادر عن اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - إذ التقدير لا يكون من الرّسل من الملائكة ، بل هم أدوات تنفيذ لقدر اللّه وقضائه . لَمِنَ الْغابِرِينَ : كلمة « الغابر » تأتي في اللّغة بمعنيين : الأول : الماكث الّذي لا يتحوّل . الثاني : الذاهب الماضي الّذي لم يبق له وجود . وكلا هذين المعنيين ينطبقان على امرأة لوط عليه السّلام ، فقد جعلها اللّه تمكث في أرض قومها ، بإهلاكها قبل أن تخرج منها وتفارق حدودها ، وأهلكها اللّه مع قومها فذهبت مع الذاهبين منهم بالإهلاك الرّبّاني ، ومضت مع الماضين ، ولم يبق لها في أرضها وجود حيّ . وهذا من استعمال اللّفظ في معنييه ، وهو مذهب جمهور علماء أصول الفقه ، وتشهد له نصوص قرآنيّة متعدّدة ، وهو مظهر من مظاهر الإيجاز في القرآن المجيد . قول اللّه تعالى : فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ( 61 ) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 62 ) : دلّ هذا البيان على أنّ الرّسل من الملائكة الّذين جاءوا على صور شباب مرد حسان ، مرّوا بآل لوط قبل أن يصلوا إليه ، وعن طريقهم طلبوا مواجهته ، فأذن لوط عليه السّلام بأن يدخلوا إليه ، وعصى بذلك أوامر كبراء قومه ، إذ سبق أن عزلوه عزلا اجتماعيّا ، ونهوه عن أن يلقى أحدا من العالمين . لقد عزّ عليه أن يرفض استقبال ضيوف من غير قومه نزلوا بساحته ، وطلبوا الاجتماع به . فلمّا دخلوا عليه وتفحّص وجوههم وألبستهم لم يعرف من أيّ قوم