عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

42

معارج التفكر ودقائق التدبر

وكلّ ما يخرجه اللّه من خزائنه في تصاريفه المختلفة خيرا كان أم شرّا هو تنزيل ، ولو كان من الأرض إلى الأرض ، لأنّه جلّ جلاله في المقام العليّ الأعلى ، وكلّ تصاريفه في خلقه تنزيل من لدنه ، إذ الأمر أمره ، والخلق خلقه . * قول اللّه تعالى : * وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ( 22 ) : الإرسال : هو التوجيه لأداء رسالة ما بتؤدة وترفّق وحكمة ، فإرسال الرّياح يتضمّن أداء وظيفة ما من الوظائف الكونية . الرّياح : جمع « الرّيح » وهو الهواء إذا تحرّك ، و « الرّيح » اسم جنس ، وقد جاء بالإفراد في قراءة حمزة ، وخلف ، وهو يعمّ أنواع الرّياح ، فالقراءتان متكافئتان ، وهما من التّنويع في البيان ، أو متكاملتان إذا حملنا الجمع على الأنواع . لواقح : جمع « لاقح » وهي : حاملة اللّقاح الّذي يدخل في الشّيء فيكون له أثر إخصاب في الأحياء والنّباتات ، وأثر تكاثف لبخار الماء الّذي ينزل من السّحاب مطرا أو ثلجا أو بردا . وفي كون الرّياح لواقح للسّحب إذ يتسبّب تلقيحها لها في إنزال الأمطار ، نجد لدى علماء البحث العلميّ للظّاهرات الكونيّة ما يدلّ على أنّ الرّياح تحمل إلى بخار الماء في السّحب جسيمات صغيرات تسمّى « نويات التّكاثف » وتتألّف هذه النّويات من الغبار ، وأملاح البحار ، وبعض الموادّ الكيمائيّة المنبعثة من المصانع وعوادم السّيّارات ، وعند تكاثف بخار الماء تنطلق حرارة تجعل السّحب ساخنة ، ويساعد هذا التّسخين على رفع السّحب إلى الأعلى ، وبهذا تصير أكثر برودة ، وقد فسّر تكوّن قطرات