عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
38
معارج التفكر ودقائق التدبر
اسْتَرَقَ السَّمْعَ : أي : اتّخذ ما يستطيع من وسيلة ليسرق الأقوال بسمعه . وكان الشّياطين يسترقون بمسامعهم ما تتحادث به الملائكة في السّماء ، أو يلقى إليهم من أوامر وأنباء ، فمنعوا من ذلك بعد بعثة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بالشّهب ، كما سبق إيضاحه لدى تدبّر سورة ( الجنّ / 40 نزول ) . فَأَتْبَعَهُ : أي : فتبعه بسرعة وقوّة ، فقتله ، أو مسّه بحريق وأنزل به ضرّا . جاء هذا البيان إضافة ذات فائدة جليلة ، دالّة على عناية اللّه الخاصة بهذا الدّين الّذي تكفّل اللّه له بحفظ كتابه ، وعصمة رسوله من النّاس . لقد حفظ اللّه عزّ وجلّ السّماء بدءا من نهايات الغلاف الغازي ، الذي جعله محيطا بالأرض ، من كلّ شيطان مرجوم مطرود ، فهو لا يستطيع أن يسترق السّمع من ملائكة السّماء ، لدى تبليغهم ما أنزله اللّه لملائكة الأرض ، ليقوم هذا الشّيطان بتبليغه لوليّه الشّيطان من الإنس . وحين يسترق بعضهم بالتّصنّت ما يمكن له أن يسمعه ، إذ يخطف شيئا ممّا يقال بحيلته وسرعته ، فإنّ شهابا مبينا واضحا يتّبعه بسرعة وقوّة وشدّة ، فيحرقه فيميته ، أو يعطّل أجهزته ، فيجعله غير قادر على نقل ما اختطفه ، وغير قادر على تبليغه ، أو يجعله يتقلّب في عذاب أليم « 1 » . * قول اللّه تعالى : * وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ( 19 ) : في هذه الآية متابعة لعرض بعض آيات اللّه في كونه ، وفيها ثلاث قضايا : القضيّة الأولى : دلّ عليها قول اللّه تعالى : وَالْأَرْضَ مَدَدْناها : أي :
--> ( 1 ) بقيّة هذا الموضوع موجودة في تدبّر سورة ( الجنّ / 40 نزول ) .