عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

29

معارج التفكر ودقائق التدبر

هلّا تأتينا بالملائكة يشهدون لك بأنّك صادق فيما تدّعيه ، إن كنت حقّا من الصّادقين . دلّت على هذا مقولتهم : لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 7 ) . لَوْ ما حرف تحضيض ، مثل « هلّا » ومثلهما « لولا » . فمن الظّاهر أنّ مقالتهم : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ لا تتضمن اعترافا منهم بأنّ ما يتلوه عليهم من قرآن هو منزّل عليه من عند اللّه ربّ العالمين ، وهو ذكر للعالمين ، بل هم يردّدون على سبيل الاستهزاء ما جاء في بياناته لهم من أنّه تنزيل من ربّ العالمين ، وذكر للعالمين ، بدليل قولهم له بعدها : إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ مؤكّدين ب « إنّ ، والجملة الاسميّة ، واللّام المزحلقة » . * فردّ اللّه على قولهم له : لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 7 ) بقوله تعالى : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ( 8 ) . أي : لديكم من الآيات والبراهين ما يكفي لإقناعكم بأنّ محمّدا رسول ربّكم حقّا وصدقا ، وأنتم مستيقنون في نفوسكم من صدقه وصدق ما يبلّغكم عن ربّه ، فمطالبتكم إيّاه بأن يأتيكم بالملائكة أمر باطل ليس له وجه حقّ ، واللّه ربّكم لا ينزّل الملائكة من مواقعها في السّماء إلى الأرض إلّا تنزيلا متّصفا بالحقّ الّذي يقتضي الأمر الحكيم تنزيلها ، وإذ كان طلبكم أمرا باطلا فاللّه لا ينزّلها ولا يأتي بها إليكم ، فأبان اللّه عزّ وجلّ ذلك بقوله : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ . * وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ : أي : وإن أنزلنا الملائكة استجابة لطلبهم ، ثمّ لم يؤمنوا وهو الذي سيكون منهم ، إذ طلبهم طلب المتعنّت ، لا طلب الباحث عن دليل يقنعه بصدق الرّسول ، فإنّ ربّهم سيعذّبهم حينئذ