عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

98

معارج التفكر ودقائق التدبر

زالت حتّى الوقت محافظة على ما كانت عليه من شرك ، مشدودة نفسيا إلى تقاليدها الموروثة . وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ ( 43 ) . دلّت هذه الآية على أنّ رئيس لجنة استقبالها وتكريمها مع وفدها ، دعاها إلى الإسلام للّه ربّ العالمين والدّخول في دين سليمان ، فلم تستجب ساعتئذ ، وربّما قال لها : إنّ سليمان النّبيّ الرّسول الملك يدعوك ويدعو قومك إلى هذا . وَصَدَّها : أي : ومنعها وصرفها عن الاستجابة ساعتئذ للدّعوة إلى الإيمان باللّه ، ربّ العالمين والإسلام له ، واتّباع سليمان اتّباعا دينيا . ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ : إذ كانت على مذهب الصابئة ، فقد كانت هي وقومها يسجدون للشّمس . إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ : في هذه العبارة إشارة إلى أنّها امرأة حكيمة عاقلة ، لديها رشد يدفعها إلى الإيمان باللّه ربّ العالمين إيمانا صحيحا كاملا ، والإسلام له ، إلّا أنّها كانت مشدودة إلى قومها بالعصبيّة ، وناشئة على الاعتزاز بهم والانتصار لهم ولو كانوا على باطل أو خطأ ظاهر . فقد سبق في قصّتها بيان أنّها وقومها يسجدون للشّمس حكاية عن الهدهد ، مع الإشعار بأنّ ما ذكره حقّ ، والسّجود للشّمس كفر ظاهر ، لا حاجة لإثباته بعبارة خاصّة ، فدلّ هذا على أنّ الغرض من العبارة ، الإشارة إلى ما في العصبيّات القوميّة ومؤثّراتها من تأثير على نفوس أهل الحكمة والعقل والرّشد . وهذه الآية بيان ربّانيّ جاء دالّا بالفحوى على أنّها دعيت إلى الإسلام الدّينيّ ، فلم تستجب في أوّل الأمر ، وفيها بيان سبب عدم استجابتها .