عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
72
معارج التفكر ودقائق التدبر
بإسكانها ، والمعنى : ما الأمر الذي حصل لي حالة كوني لا أرى الهدهد ، هل هو حاضر إلّا أنّني لم أره بين الطّيور أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ الّذين غابوا عن الحضور الواجب ، ففي العبارة مطوي يسهل استخراجه ممّا يقتضيه التّرديد بحرف العطف « أم » بين احتمالين ، وقد ذكرت ما يدلّ عليه . لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 21 ) : وقرأ ابن كثير أو ليأتينني بإثبات نون الوقاية ، إثباتها وحذفها وجهان جائزان في العربيّة . دلّت هذه الآية على أنّ سليمان عليه السّلام توعّد الهدهد بإحدى عقوبتين ، عقوبة العذاب الشديد المؤلم ، أو الذّبح ، ويعفيه منهما أن يقدّم حجّة واضحة تبيّن عذره في غيابه . أي : فلما علم سليمان عليه السّلام أنّ الهدهد غائب أعلن توعّده الّذي لا يعفيه منه إلّا عذر مقبول . العذاب : العقاب المؤلم . السّلطان المبين : الحجّة الواضحة ، وهذا أحد معاني السّلطان . اللّام في الأفعال الثّلاثة وافعة في جواب قسم منويّ ، فدلّ على أنّ سليمان عليه السّلام قد غضب من غياب الهدهد فأقسم متوعّدا . وهذه اللام الواقعة في جواب قسم منويّ يجب في العربيّة تأكيد الفعل المضارع بعدها بنون التوكيد . وقد جعل العقوبة على الغياب الّذي لا عذر للهدهد فيه على فرض تحقّقه ، متردّدا بين العذاب الشّديد والذّبح ، ثم هو يختار عند التنفيذ ما يراه الأفضل والأحكم ليكون موعظة لسائر الجند ، وتأديبا وتربية لهم .